Monday, December 17, 2007

تأصيل مفهوم الحرية



تأصيل مفهوم الحرية


على الرغم من أن مفردة «الحرية» لم ترد في القرآن الكريم بلفظها، وحتى ما ورد من مشتقاتها جاء في سياق تضييق الخناق على نظام العبودية الذي كان شائعاً في الجزيرة العربية، إلا أن مفهوم الحرية في تراثنا الإسلامي قد ورد كثيراً في سياق التأصيل للقيم الإنسانية، ومنها قيمة الحرية لتكون في مستوى التكليف والالتزام ولتخرج المؤمنين بالرسالة المحمدية من جملة من القيود التي فرضها الواقع السابق. وهذا ما يمكن قراءة دلالاته القرآنية في مثل النهي عن الخضوع لسلطة الآباء، وسلطة اتباع السائد على حساب الحقيقة، وهو المعبر عنه بـ «الملأ». بل تحولت الحرية بعد نهاية عهد الاستضعاف إلى مطلب ضروري يستدعي الهجرة وترك الديار، ولم يكن هذا المفهوم قاصراً على تحرير المسلمين، بل كان ليشمل قبل التبديل الذي طرأ على المفاهيم الإنسانية، بعد انقضاء ما اصطلح على تحقيبه بالخلافة الراشدة، غير المسلمين. فالخليفة عمر بن الخطاب قال قولته المشهورة التي ذهبت مثلاً «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً». فالحرية شرط التكليف وهي الأسلوب الاحتجاجي الذي كان يستخدمه القرآن حتى مع كفار قريش، حيث عرض حجتهم بمنتهى الموضوعية وجعلها على النصف من حيث القيمة الاستدلالية، كما قوله: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين».
والشواهد في التأكيد على قيمة الحرية في النص الشرعي متكاثرة إلا أن هذا المفهوم سرعان ما أصابه التكلس والضمور في التناول الفقهي، بعد أن تحولت مفاهيم الإسلام الكبرى بسبب الاستلاب السياسي والممارسات القمعية في التاريخ الإسلامين التي وظفت المدارس الفقهية عبر تغذية صراعاتها المذهبية وشرعنة الاستبداد السياسي، الذي ما لبث أن انعكس على الفقهاء أنفسهم، حتى لم يسلم الأئمة الأربعة من تأثيرات غياب مفهوم الحرية، حيث توالت المحن عليهم كل بحسب السياق التاريخي الذي وجد فيه. واستمر هذا الانحدار في التأصيل لمفهوم الحرية وممارستها على مدى عقود طويلة، عدا استثناءات يسيرة لم تكن لتؤثر على المشهد العام، حتى جاءت لحظة الولادة الثانية للاجتهاد الإسلامي عبر رواد النهضة، كالأفغاني ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ورشيد رضا والطاهر بن عاشور وآخرين، حيث فتح ملف الحرية مجدداً لكن منظوراً إليه هذه المرة من نافذة الآخر الغربي، الذي لم تكن تجربته بأحسن من تجربة مجايله حتى استقر به الحال إلى اعتبار مفهوم الحرية أساسياً ومحايثاً لمفهوم الوجود ذاته، وكلفه ذلك الكثير من الدماء والصراعات والتضحيات.
وللأسف فإن خطاب النهضة بكل إيجابياته وسلبياته، لم يتحول إلى خطاب سائد، بل كانت المعارضة له شديدة. وسرعان ما اضمحل مع بزوغ نجم الحركات الإحيائية التي كانت الجماعة الأم جماعة الإخوان المسلمون أول من مثلها في العصر الحديث. ثم توالت الانشطارات وازداد الوضع تفاقماً بعد الاصطدام بالسلطات التي جاءت على أنقاض الاستعمار، ودخلت في صراع طويل ودموي مع هذه الجماعات، مما أدى إلى وضع مفهوم الحرية على الرف، على حساب الحفاظ على الهوية واستعادة الخلافة!!!، والسعي لمجتمع فاضل من بوابة الحاكمية وتطبيق الشريعة !!!إلخ. وتلك هي العموميات التي زدات الأمر تعقيداً وغموضاً، ومع ذلك فإن كل المؤشرات اليوم وبعد رياح العولمة العاتية، التي حولت العالم إلى قرية كونية، يجب أن يعيد الخطاب الإسلامي فتح ملف «الحرية» وكل لوازمها من التعددية والحوار وقبول الآخر، كضرورة حتمية. فالأمر لم يعد خياراً يمكننا قبوله أو رفضه. نعم، يمكن أن نختلف على ضوابط الحرية وعلى تطبيقاتها، لكن الحد الأدنى منها المتمثل في حرية القرار الذي يتخذه الإنسان الحر الواعي المكلف، والذي لا تستطيع قوى العالم مجتمعة أن تسلبه إياه، هو ما يجب أن نتفق عليه، لنخرج من عزلتنا عبر العودة إلى القيم الأساسية التي جاء بها الإسلام، واستطاع من خلالها أن يؤسس لحضارته العظيمة

2 comments:

majdi said...
This comment has been removed by a blog administrator.
sal said...
This comment has been removed by the author.