
كانت حياة نتعلم فيها الأشياء الجديدة بالفضول الغير محدود. كنا نجد متعة لانهائية في الإستكشاف و محاولة أشياء جديدة و العبث بكل ما يقع تحت أيدينا. كانت حياة خالية من المسؤولية و بالتالي خالية من الهموم و من التخطيط و من التفكير بالغد. كان يمضي اليوم كله في اللعب حتى ننهك و نخلد بالنوم. كنا نخلد للنوم في نفس اللحظة التي نشعر فيها بأننا نريد النوم، هكذا و بدون أن نفكر قليلا قبل النوم، و بدون إستعراض لأحداث ذلك اليوم و بدون أن نجهد عقولنا بالتفكير في ما سنفعله غدا، فقط كنا نريد أن ننام
قبل ولادتنا، لم نكن بعد قد مررنا بتجربة مشابهة. كانت صرختنا عند الولادة هي إحتجاج على تغير العالم علينا، فنحن لا نريد الخروج من أرحام أمهاتنا لأننا تعودتنا على تلك التجربة و إرتحنا لها. و كانت إغماضة أعيننا لعدة ساعات بعد الولادة هي شعورنا الأول و تجربتنا الأولى مع هذا العالم الجديد و كأننا لا نريد أن نراه خوفا منه. و كان النور هو أول شيء تراه أعيننا. لتنطلق بعدها تجربة غريبة في عالم غريب و على كوكب غريب، من الوهلة الأولى من إنضمامنا لهؤلاء البشر
عندما نقع تحت ذلك الإحساس نكون قد فقدنا آخر أحاسيس الحرية. عندها نكون قد فقدنا إحساسنا بالحرية و إبتعدنا كثيرا عن ذلك العالم الرائع
نفقد إحساسنا بالحرية عندما يبدأ المجتمع من حولنا بتعليمنا قيمه السلبية. التي تتناقض مع قيمنا و مبادئنا عندما كنا صغارا. عندما كنا أحرار. نستبدل عندها قيم الأحرار بقيم المستعبدين، و مبادئ الأحرار بمبادئ المستعبدين
أصبح القدوة عندنا هو الشخص المطيع المنقاد، المقلد، الذي يحاول بقدر ما يستطيع أن يكون نسخة مشابهة لذلك الشخص المثالي"الخيالى" الذي رسخه آباءنا فينا، فأصبحنا مجتمعا هزيلا و أفرادا مستنسخين. إن أبشع أنواع الإستنساخ هو الإستنساخ الروحي. و ليس الإستنساخ الجسدي
عندما نمر بهذه الصدمة القاسية، نعيش عدة سنوات من الضياع، لا نحب ما نحن فيه، و نتوق لأيام الحرية. في تلك السنوات القلائل ينمو لدينا شعور غريب بحبنا لأن نكبر بسرعة. ظهور ذلك الشعور هو شئ طبيعي لفقداننا للحرية. و إحساسنا بحاجتنا لأن نكبر بسرعة لإعتقادنا بأننا إن كبرنا سنحصل على حريتنا. تلك هي أصعب المراحل، مرحلة الإحساس المقيت بالوقوع تحت الوصاية و بالشعور بالإحتواء داخل منظومة غير متوافقة مع فطرتك التي بدأت بالإحتضار في ذلك الوقت، و هذا الإحساس المر هو إحساس الفطرة بالمنازعة في أيامها الأخيرة
نكبر و تبقى تلك الأفكار الخاطئة فينا، نفقد حريتنا شيئا فشيئا حتى نصبح طلابا و موظفين و مواطنين صالحين.؟!! نستمع للكلام و نطيع الأوامر. حتى من يظن أنه ذو منصب و مال، هو مستعبد للمنصب أو للمال، يجري حيث يريد المال له أن يجري و يعيش خلف أسوار لا يختلط بالناس. لماذا؟ لأنه تعلم في مرحلة فقدان الحرية أنه يجب عليه أن يكون أفضل من غيره و أن يحصل على أكبر كمية من المال لأنه لا يوجد ما يكفي منه، و بأن السعادة هي في جمع المال حتى يكون الإنسان ثريا، و عندما يصبح ثريا فسيستطيع من شراء أي شئ. فيذهب في رحلة لا نهائية من البحث خلف المال. رحلة الخوف من نقص المال و يلقي في تلك الرحلة تلك القيم و المباديء حتي يستطيع أن يلحق بركب الباحثين عن المال. و في النهاية فإنه لن يجمع أبدا ما يكفي، لأنه لا يوجد ما يقنع الإنسان
أكثر الناس سعادة هم أولئك الناس الذين إستطاعت أرواحهم من البقاء طوال تلك الفترة و إستطاعوا الإبقاء على جزء بسيط من حرية عقولهم خلال هذه المرحلة العسيرة و على الرغم من أن كثيرا من الناس قد تم غسل أدمغتهم بالأفكار السلبية و لم يستطع أحد منهم المقاومة بالصمود للوقت الكافي، فإن هؤلاء الأحرار الباقون لازال لديهم القدرة على العودة من جديد للحرية الأولى. فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تزال لديهم شعلة صغيرة لم تنطفأ..... شعلة الايمان الراسخ بالحرية