
قرأت عن الاسباب التى تساعد فى عملية استمرار واقع الاستبداد فى منطقتنا
العربية كلها ، وحاولت فى تدوينات سابقة الاشارة
الى بعضها...ولكنى الحظ ان هناك عامل مهم ساتناوله هنا ....
الا وهو تحول التيارات السياسية والفكرية الراغبة في التغيير من معركتها مع الدولة الى معركة مع شركائهم فى المجتمع
اصحاب التيارات المعادية لمشروعهم ورؤيتهم السياسية.
وهذا بالفعل ما يحصل اليوم ،، ولكى لا نعمم ...فكثير من اهل اليسار يضربون تحت الحزام كل ذى رؤية اسلامية او ليبرالية ،، وكثير من " الاسلاميون"
يمارسون نفس الفعل فيما عداهم من التيارات الاخرى بل يصل الامر الى التكفير والتخوين...
حدث ولا حرج ...؟
ويتجلى هذا بالاعتقاد السائد في ذهنية الناشطين والكتاب والمفكرين من مختلف الأطياف السياسية بأن كلا منهم يعتقد انه يمسك
"بتلابيب" الحقيقة وان ما عداه على باطل . ولذا فقد أجل هؤلاء التصادم مع الدولة وانهمكوا فى عملية الاقصاء والحجر على
على حرية الاخرين شركائهم فى الحراك السياسى .
ويبدو انهم تناسوا ان مصلحة اى نظام استبدادي هو ان تنخرط التيارات السياسية في معركة طويلة الأمد وغير معروفة النتائج مع بعضها البعض حول هوية المجتمع وليس هوية الدولة ، فالصراع على المجتمع ومع المجتمع يزيح الضغط السياسي عن الدولة ويعفيها من مسؤوليتها تجاه الاصلاح السياسي خلف شعارات الحفاظ على السلام الداخلي واستبعاد الفتنة واستفزاز المجتمع المنقسم على ذاته. فيؤجل الحكم الاستبدادي التعاطي مع دعوات التغيير بينما المجتمع ينخرط في معارك جانبية تنهكه وتنخر قواه وتبعده عن المعركة السياسية الحقيقية مع النظام ولنا في ذلك أمثلة كثيرة ومتعددة. ...
وتحولت معركة هؤلاء الى معركة مع المجتمع وليس الحكم. فهم يدركون ويفهمون احتكار السلطة وسرية القرار وتفشي الفساد في أعلى الهرم السياسي ولكنهم يحولون بوصلتهم واهتمامهم الى الاخر المجتمعى ،،فنقرأعلى ما يسمونه فساد المجتمع و دعاة التغريب وايتام الامريكان وبواقى البعث والناصرية ودعاة التطبيع وووووووو....كل حسب مصطلحاتهم وتصنيفاتهم للمجتمع واذا
انتصروا على الشريحة الأخرى في المجتمع وليس النظام.
يعتبرون ذلك نصراً عظيماً ومكسباً يفوق كل المكاسب
وفي المقابل ينتظر الآخرون فرصة ذهبية ينتصرون فيها في المستقبل على خصمهم
لكى يرفعوا رايات التغيير القادم الذي سيطيح بهامات التشدد والرقابة والحجر على الحريات. ولكنهم يفاجأون بعد فترة ان التغيير الحقيقي لا يحصل نتيجة لعبة شطرنج على ارضية " أهل الحكم " التى لا تأبه بالتغيير بل همه الأول والأخير ابعاد اصوات التغيير التي تطاله وتناقش دوره هو. وكلما انخرط المجتمع بأطيافه المتناحرة والمتصارعة في المعارك الجانبية كلما استتب الأمر للاستبداد الذي يبعد نفسه عن المعركة بل يصور نفسه حامياً لفئة ضد الأخرى.
وينطبق هذا المبدأ على حراك الأقليات حيث هي ايضاً تحولت من معركة اكتساب الحقوق من الدولة الى معارك جانبية مع المجتمع ذاته بل هي قد تكون مقتنعة ان النظام واستبداده افضل من استبداد المجتمع وخاصة الفئات التي تدينه بسبب عقائده وطقوسه.
عندما يصل الجميع الى هذه القناعة يكون الاستبداد قد انتصر فعلاً وحقق هدفه الأول وهو ديمومة مفهوم المركز كحام للأطراف المختلفة والمتناحرة وليس كمصدر لانتهاك الحقوق وتهميش المجتمع وابعاده عن صناعة القرار.
انخراط الجميع في حرب مع المجتمع هو هدف السلطة الاستبدادية التي قد تسمح ببعض الحريات وخاصة تلك التي تجعل هذه المعارك الجانبية تخرج الى العلن تماماً كما يحصل حالياً حيث ان الدولة لا تتدخل في سير المعركة العلنية، بل تصب هذه المعركة في مصلحتها لأنها عملية الهاء للشرائح الفكرية عن الشأن السياسي العام الذي يطالها ويطال سياساتها العامة. فالبيت المنقسم على ذاته المتصارع داخل جدرانه أفضل بكثير من جبهة صلبة متماسكة ومتفقة على الخطوط السياسية العريضة.
لا تريد سلطة الاستبداد ان يتحول المجتمع بتياراته المختلفة الى جبهة موحدة صعبة التفكيك وطالما ظل هذا المجتمع منشغلاً بحروبه ومعاركه الصغيرة لطالما ظلت السلطة بعيدة عن الضغط الذي يضطرها ان تتجاوب معه ومع مطالبه.
وبذلك يكون الاستبداد قد انتصر على مجتمع انهكته المعارك الجانبية وشغلته القضايا الهامشية








