Tuesday, February 16, 2010

يا بعلتاه؟؟؟






ساعة لقلبك

اطمني يابعلتاه

أزور لندن هذه المرة بقلب جامد وبلاخوف من زوجتي التي هي بعلتي وحرمي وعقيلتي وأم عيالي -فهى - ستوفر لي الحماية اللازمة وتهش عني الطامحات الى نيل الحظوة عندي بمجالستي او بمراقصتي كما حدث لي عندما اتيت الى لندن شابا غرا في السبعينات اقام المعهد الذي كنا ندرس فيه حفلا بمناسبة مفتعلة وغردت الموسيقى المعلبة فتشابكت الايدي حول الخصور والرقاب وبدأ التمايل لاعطاء الانطباع بان الموسيقى تجنن في حين ان الراقصين كانوا في الواقع يتمايلون انتشاء باحتضان بعضهم بعضا وبلا لف او دوران فالرقص تعبير رأسي أو عمودي عن رغبات أفقية.

ماعلينا فقد كنت اقف في زاوية قصية ارقب الجمع المتهادي عندما اقترب مني احد اساتذتي وكان يهوديا -وقد اصبحت من يومها تطبيعيا خطبا لوده- وسألني لماذا لاتطلب من واحدة من الفتيات ان تراقصك ؟ انفجرت في وجهه اسمي جعفر عباس وليس جعفر كاريوكا... هل تعتقد ان حفيد عنترة ذلك الفارس الارعن الذي رفض عرضا من عبلة بالهرب والزواج لوضع عائلتها امام الامر الواقع يمكن ان يعرض شرفه وشرف القبيلة الى الامتهان ؟ الاتعرف اننا في العلم العربي نفهم المؤامرات وهي طايرة ونكتشف كل يوم نحو عشر مؤامرات يحيكها العدو ضدنا؟ أتريد مني مراقصة فتاة كي تنشر الصحف الاسرائيلية صورتي في صفحاتها الاولى نكاية بعنترة الذي عارض التطبيع في عصر كان اليهود فيه منتشرين في اركان بلاد العرب متمسكنين حتى يتمكنوا ؟

الاتدري اننا امة تؤمن بالتخصص ومن ثم فان الرقص عندنا يتطلب مؤهلات وزيا معينا؟ من اين لي بذلك الزي ذي فتحات التهوية التي تسمح للجماهير بالاطلاع المباشر على امكانات الراقصة الفنيو بيولوجية؟

أفحمت الرجل فتركني في حالي ثم رأيته يتحدث مع كائن هلامي عملاق ..ثم تحرك ذلك الكائن اتجاهي ووقف امامي دهمة سوداء تفوح منها رائحة الخمر والتبغ امراءة مجازا بحكم انها ترتدي ملابس نسائية وتعتبر بيولوجيا من الثدييات عدة نساء في هيكل خرساني واحد قطرها نحو المتر ونصف المتر وارتفاعها متران ,- ليست لدي معلومات مؤكدة عن اعتزالها الحياة ولك اذا كان ما يقوله الاطباء صحيحا عن مضار السمنة فمن المؤكد انها نفقت قبل سنين طويلة- وكانت سوداء في لون الزفت ولم يكن ذلك مايضايقني فيها فانا والحمدلله ازفت من الزفت من حيث اللون... سألتني دانس؟

فرددت عليها نو جعفر عباس ..جافا عباس ! قررت ان افضل طريقة لتفادي الرقص معها وجرح مشاعرها وبالتالي غضبها هو ان ادعي عدم الالمام بالانجليزية هنا امسكت بيدي ووضعتها على تلة اللحم قرب كتفها ووضعت يدا وزنها نحو نصف طن متري على كتفي لتريني مالمقصود بدانس وهنا لم اجد سبيلا سوى ان اقول لها بلسان انجليزي فصيح انني انتمي الى امة محافظة قد يشرب بعض افرادها الخمر مجاملة للاشقاء الاوربيين وقد تحشش من باب انعاش الاقتصاد القومي باستخدام الحشيش ذي المنشأ العربي ولكنها لاتقرب لحم الخنزير تحت اي ظرف ... تلك كانت القاضية فقد انتفخت خياشمها وزمجرت صائحة :تقصد انا خنزيرة سأريك كيف يكون الرقص ثم اطبقت بيديها على عنقي وخلال ثوان كان رأسي قد غاص في لجة اللحم والشحم المشبع بالكسترول والبيرة وبدأت أرفس وأتلوى بحثا عن بعض الاكسجين وكلما فعلت ذلك ازدادت تشبثا بي ربما حسبتني أتلوى من فرط الانتشاء

باختصار رحت في غيبوبة وافقت منها لاجد نفسي منطرحا على الارض وحولي خلق كثير يهمهمون سكران..لامصاب بالسكري..لامصاب بصدمة حضارية..لا ربما كان من اكلة لحوم البشر وتناول لحم البقر فأصيب بالصرع رفعت رأسي وهممت بان اشرح لهم سبب الغيبوبة عندما لمحت تلك المراة المركبة والدخان يخرج من فتحتي منخرها كما الثيران الهائجة في افلام الكرتون فلذت بالصمت وغادرت المكان ذليلا كسيرا

خلاص انتهى عهد الغفلة يوم كنت معرضا للتحرش من قبل عوانس بريطانيا السوداوات فهذه المرة معي السيدة المشار اليها اعلاه والتي تحتاج الى صيانة طبية وقد قررت هي قبل ان نغادر الى لندن انها لن تلزم سرير المستشفى باي حال وتترك زوجا دخل طور المراهقة الثانية حرا طليقا في شوارع لندن ،قلت لها يابنت الناس لقد حصنني الله ضد الزلل ببشرة وتقاطيع لاتصبر عليها الا ناقصة عقل ،فتقول وافق شن طبقه وفي لندن اشنان واطباق كثيرة -

انني لأؤكد لتلك السيدة عبر هذا المنبر بأنني على العهد باق وان جيناتي العربية ضعيفة ومن ثم لن اخون ولن اساوم ولن اتنازل عنك ابدا مهما يكون-

..ولن اتمادى في تحقير الحبيب الذي لايعرف الا الحب العادي وتقول له حواليا كتير يعني اذا لم تطور اسلوبك فعندي بدائل افضل والف من يتمناني - واضيف باني سألازم زوجتي وبعلتي وعقيلتي وحرمي وام عيالي حذوك النعل بالنعل خوفا من ان يستخدم ضدي النعل وسأتعهدها بالرعاية

اما اذا اعجزت حالتها الاطباء فسأتركها في متحف الشمع لتجلس الى جوار الملكة اليزابيث الثانية وتدخل التاريخ وترفع رأس الامة عاليا بين السياح

من هذه؟

هذه زوجة جعفر عباس التي صبرت عليه حتى اصيبت بالتصلب الشمعي فوضعوها هنا تحية لصمود النساء العربيات والمستعربات اللواتي صبرن على غطرسة ازواجهن وآبائهن واخوانهن وحكامهن

..

كم هي قوية المرأة اذ تصبر على كل اولئك ومع هذا تعمر اكثر من الرجل


بتصرف عن

جعفر عباس

كاتب سودانى

Saturday, February 13, 2010

اكفى على الخبر ؟؟؟















" اكفى على الخبر ماجور
هل هناك علاقة بين هذا المثل الشعبى والسوأل التالى
هل هناك تفكير مسكوت عنه؟؟؟؟

قد نصاب بالدهشة والحيرة في باديء الأمر عندما نقرأ او نسمع مثل هذا السؤال
ولكنه تساؤل متداول بوفرة فى اوساط اهل القراءة والكتابة !!!؟
وهو سؤال شرعى ومنطقى وحقيقى
وصيغة السؤال توحى لنا بان لدينا تفكير نخجل من تبيانه ونخاف البوح به ولذا فالسكوت اولى واوجب ؟
؟
ولوتأملنا بعجالة مسببات السكوت سنجدها كثيرة ومتشعبة
ولكن يبقى " الخوف "هو العنوان الرئيسى ...؟
فأولها ربما خوفنا من - ان تدخلنا فى متاهات البحث عن الاجابة التى نعتقد انها ستكون حتما
مشوشة على ما نعتقد انه مسلمات وبالتالى فمن باب سد الذرائع نقول السكوت عنه احسن من الخوض فى الاجابة!!؟
وربما خوفا من - ان تفتح عليك ابواب اللوم والعتاب وربما استدعاء قاموس الشتائم الغنى
ف سيقولون عنك كافر وفاسق واخرون سيقولون عنك رجعى ومتخلف وعلمانى متغربن ويسارى ملحد ويمينى متعفن وعلمانى ووووو
وربما الخوف من من اهل السلطة الدينية والسياسية
الخوف من الخروج عن المألوف من تقاليد واعراف
الخوف المتأصل منذ الطفولة ، من الاب والمدرس
والخلاصة حالة مرضية مزمنة تقف حائلا دون قبول مثل ذلك السؤال وغيره


فماذا لو قبلنا وامتلكنا عقلنا للحظات
قبلنا من باب السعة والتسامح مثل ذاك السؤال
ربما نجد الاجابة ونقوم بالاستجابة
وانى لازعم ان التفكير النقدى لثقافة المسلمات ربما يكون الطريق الوحيد للوصول الى نفى اى حالة من "المسكوت عنه"؟
خاصة ونحن لا يغيب علينا
أن الإنسان المؤمن مكلف بالتفكر والتدبر
"قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين"

فلما لا نحاول الاجابة على كل الاسئلة
ولما لا نفكر بصوت مسموع
، اعتقد ان التفكير والتدبر، يسقط في حالة واحدة، حينما يتم تفسير كل شئ، وفق النظريات المسلم بها

وما ذلك الا نتيجة لفقدان الثقة بالذات على المستوى الفردي والجماعي عندما نفكر فى توصيف الواقع
وما نعيشه اليوم من تخلف
عبرالتعليم المقنن وفق نظريات لا تمت للواقع بصلة
وعبر اعلام البروباجندا الموجه من قبل اهل السلطة وعبر ادعاءات
الخصوصية، والتشنج القبلي، وغير ذلك من الأمراض الإجتماعية

الأكثر حيرة، أن التفكير في هذه التركيبة النفسية المشوهة، لا يتجاوز الإطار الضيق من حياة الفرد، بل هو اطار مقيد، داخل إطار وراءه إطار ثان
وثالث حتى نصل الى المزيد من المحاذير والموانع مما يساهم فى سكوتنا وجمودنا ،وتصبح تلك "البراويز" وصية علينا
بل الامر يتجاوز الفرد الى حالة مجتمعية عامة
عندها نفقد القدرة على تمحيص الحقائق حول الناس والذات
ونفقد القدرة على فهم ما حولنا بطريقة عاقلة
ربما لا نعلم أن هناك حقائق مسكوت عنها، وربما نعلم !!! وربما لا نعلم أن هناك اشباه حقائق صدقناها بعد أن أستسلمنا لها
قرونا عديدة ولم نحاول تمحيصها
والأسوأ من هذا ومن ذاك هو حالة اللا مبالاة --- اى لا يهمك الأمر،--- فيعيش انساننا في حلقته المفرغة، ولا يعلم أن حياته بلا قيمة
سوى القيمة التي يضيفها لها.... "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".؟

اعود للتساؤل هل
هناك اشباه حقائق بل مسلمات، نتناقلها حول الآخرين، وحول المجتمع، وحول أنفسنا، وحول تاريخنا وتراثنا جيل وراء جيل

لكنها تفتقد المصداقية الكلية

المؤكد برأى انه ..
مهما ادعي البعض إمتلاكهم للحقيقة
فبالتأكيد هناك قضايا "مسكوت عنها" ولا بد لنا من اعادة حقنا فى اعادة التفكير والتدبر والفهم كما كان للسابقون هذا الحق

وحيث ان المجتمعات التى يعشش فيها الاستبداد بكافة انواعه ، تعتاد الكذب على المستوى السياسي، والإجتماعي، وتحاول أن تقنع نفسها بتلك الأكاذيب
لذا لن يتمكن الفرد فيها من التفكير كما قد كلف
لآن افرادها اعتادوا تناول الأكاذيب في أخبارهم، وفي أسرارهم، وفي حكاياهم، وفي نكاتهم، وحتى في مشاعرهم الصادقة
ولأن القدوة تكذب
ولأنها تخبيء
ولأنها لا تفكر، ولأنها لا ترى الأبعاد الخطيرة لتفكيرها المحدود

....." اذا كان رب البيت بالدف ضارب..ف.."
فالنتيجة ما نرى

"""""""
على المستوى الشخصي هناك ما يجب ان ننتبه له
....أن قانون الكون وسننه متغيرة، وأن المفاهيم المطلقة والمسلمات التي يستمر بقائها في عقولنا بدون تغيير هي مفاهيم
خاطئة على كافة الأصعدة ، وأن المفاهيم المطلقة التي يجوز لنا إبقائها والإستناد عليها، هي الإيمان بالله، ومعرفة كيفية الإيمان بالله
يقول د محمد عماره : الاسلام مطلق وفهمنا له هو المتغير
فما الذى تغير فينا منذ قرون ؟؟

إن ممارسة التفكير الناقد، ليست أرقى أنواع التفكير فقط، بل هي أهمها على الإطلاق، ولايمكنك إذا أردت أن تمتلك هذه الأداة الخطيرة، أن تعزلها عن حالة المجتمع
الذى يجب ان تكون الحرية ديدنه ،
، الباحثون فى الغرب "الاستعمارى"، لا يستندون على الحرية المتاحة امامهم، و القدرات المادية المتوفرة لديهم، وعلى التطور الفكري العام، بل يستندون ايضا على ثقافة
من التفكير الإنساني الحر والمطلق " بلا عقال" والغير مقيد "بالاستبداد"
بينما لددينا يستندون على تقاليد متأصلة من الاستبداد على كافة الاصعدة ، سياسية ، دينية ، اجتماعية
ولذا لم نجد امامنا الا الاستغراق فيما مضى او البحت فيما فكر وسطر الاولون
....
لكن هناك جانب مشرق في هذه الظلمة

مازلنا نملك الوقت والفرص العظيمة لإثبات انفسنا، على خارطة التفكير الإنساني. إنما لا ينقصنا سوى
مانملكه في صدورنا ،... من الشجاعة ، ومن التفكير الايجابى ، والخوف من الله وحده، لأن من يخاف الله ويرجو لقائه،
لا يستطيع أن يخاف من أي شيء آخر
ومن يفكر في الدنيا وقلبه متعلق في السماء
فإنه أدرك المعنى الحقيقى لوجوده الإنساني،،،،
************
أن العقل لم يخلق لتدرك به الحقائق الكبرى فقط
بل خلق لتدرك به ماينفعك ومايضرك فى هذه الحياة

Friday, February 12, 2010

نعم....ولا ...؟








نعم لعلمنة السياسة.. ...لا لعلمنة الوجود !؟

طالما روج الوعي الغربي المتمركز حول ذاته‏,‏ لفهم يدعي قابلية المسيحية المطلقة للعلمنة السياسية‏,‏ وامتناع الإسلام المطلق علي هذه العلمنة‏‏ الديمقراطية‏,‏ وهو فهم يزكيه التيار المحافظ في الوعي العربي الإسلامي‏,‏ معتقدا أنه فضيلة كبري تشي بصلابة الإسلام وشموله قياسا إلي المسيحية‏,‏ ولكنه يظل بحاجة إلي المراجعة سواء في ضوء الروح العامة‏,‏ والتجربة الحضارية الممتدة للديانتين الكبيرتين‏,‏ أو في ضوء فهم دقيق لمفهوم العلمانية يميز بين مستويين أساسيين له يمكن وصف أحدهما بالعلمانية السياسية وهو ما نثبته للإسلام‏,‏ والآخر بالعلمانية الوجودية وهو ما ننفيه عنه‏.‏
لقد ولدت المسيحية كديانة روحانية مجردة‏,‏ لا تعبأ بحركة التاريخ‏,‏ أرجأت تحقيق ملكوت الله إلي الآخرة‏,‏ لأنه مستحيل التحقيق في الدنيا‏;‏ حيث الإنسان خاطيء في أصله‏,‏ قاصر بطبعه‏,‏ ولا يمكن أن يستقيم‏,‏ ولذا نجدها تستند للتشريع اليهودي لملء الفراغ الناجم عن تساميها الأخروي علي الدنيا‏.‏ وفي المقابل تبدي الإسلام دينا شاملا ذا نزعة توفيقية بين المادية والروحانية‏,‏ متفائلا في فهمه للطبيعة البشرية‏,‏ مؤكدا قدرة الإنسان علي النضال ضد الشر‏,‏ داعيا إلي تغيير العالم باتجاه الخلاص من الوثنية والظلم‏,‏ معتبرا ذلك التغيير هو الوظيفة الأساسية للحضور الإنساني علي الأرض‏.‏وطالما كانت المسيحية علي غير علاقة وثيقة بالتاريخ‏,‏ كان طبيعيا أن تبقي علي غير علاقة بالسلطة السياسية‏(‏ الزمنية‏),‏ وتكرس هذا الحال بفعل نشأتها ونموها داخل الإمبراطورية الرومانية‏,‏ أرقي أشكال التنظيم السياسي في الحقبة الكلاسيكية‏,‏ أي أنها ولدت علمانية بالمعني السياسي‏.‏
وفي المقابل نزل الإسلام علي بيئة قبلية مثلما كانت وثنية‏,‏ جمعت بين غياب دين مهيمن‏,‏ وغياب اجتماع سياسي متعين‏.‏ وعندما هاجر الرسول‏‏ صلي الله عليه وسلم‏‏ إلي المدينة تشكلت الدولة الأولي تحت قيادته‏,‏ جامعا بين النبوة والحكم‏,‏ مستلهما لوحي إلهي كان يوجهه ويعاتبه‏,‏ بقدر ما يوجب علي المؤمنين طاعته‏,‏ وهذا بالطبع ما لا يتأتي لأي تجربة أخري‏,‏ فقد انتهت هذه التجربة الفريدة بموت النبي‏.‏

وابتعادا عن لحظة التشكيل دفعت الحركة التاريخية‏,‏ وردات الفعل الثقافية‏,‏ كلتا الديانتين في اتجاه مغاير‏.‏ فالمسيحية اتجهت نحو فقدان علمانيتها تدريجيا منذ اعترف بها الإمبراطور قسطنطين دينا للدولة في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي‏.‏ ومع سقوط روما الغربية في الربع الأخير للقرن الخامس‏,‏ نمت الهيمنة الكنسية علي حساب الدول الأوروبية الوليدة من رحم الإمبراطورية الرومانية من خلال التعليم الذي تمحور حول الكنيسة وفي الأديرة المنبثقة عن نزعة الرهبنة‏.‏ ومع الولوج إلي الأفق الزمني للعصور الوسطي كانت الكنيسة قد انقلبت تماما علي الروحانية المسيحية التي طالما رنت إلي ملكوت السماء‏,‏ وزهدت في ملكوت الأرض‏.‏ ولا يوجد ما يعبر عن هذا التحول أفضل من ذلك البيان الذي أصدره البابا إنوسنت الثالث عام‏1066‏ متضمنا المباديء الأساسية الستة لعصمة البابا وهي‏:‏ أن البابا هو الذي يضع القوانين الجديدة‏.‏ وأن كل أمراء الأرض يقبلون قدميه‏.‏ وأنه مقدس‏,‏ وإنه لا يذنب ولا يأثم‏.‏ وأنه ليس لأحد أن يحاكم البابا‏.‏ وإن كل فرد يحتمي بالبابا لا يمكن الحكم عليه‏.‏ وإن البابا لا يخطئ ولا يمكن أن يخطئ‏.‏وبعد أقل من العقد وصلت البابوية إلي حالة الاستعلاء الكامل علي الدولة‏,‏ وكانت نقطة الذروة هي‏‏ حركة الإصلاح الجريجوري‏,‏ وفي سياق النزاع ضد‏‏ التقليد العلماني‏‏ الذي كان يضمن سيطرة الدولة علي الكنيسة‏.‏ ففي سنة‏1075‏ كان الإمبراطور الألماني هنري الرابع هو أقوي حاكم في أوروبا‏,‏ ومع هذا طلب منه البابا جريجوري السابع إيقاف نظام التقليد العلماني الذي كان يتيح للإمبراطور التحكم في تعيين كبار رجال الكنيسة في مملكته‏,‏ مهددا بخلعه إذا لم يمتثل للمرسوم الذي أصدره‏.‏ وعندما تمرد الإمبراطور علي الكنيسة أصدر البابا قرارا بحرمانه‏,‏ فاضطر سنة‏1077‏ إلي أن يذهب إلي قرية‏/‏ قلعة كانوسا‏,‏ ليقف علي بابها ثلاثة أيام قبل أن يسمح له البابا بالمثول بين يديه ويظفر بالصفح عنه‏.‏ وهنا بدا التحول عاصفا‏,‏ فبدلا من قول المسيح‏‏ مملكتي ليست في هذا العالم‏,‏ أصبح خليفته علي الكرسي الرسولي يحكم ممالك العالم ويرأس الملوك‏!!.‏
استمر هذا الأمر بشكل أو بآخر حتي حركة الإصلاح البروتستانتي ونهاية الحروب الدينية وعقد معاهدة وستفاليا التي وضعت ممتلكات الكنيسة الكبيرة ـ بفعل تداخلها الشديد مع النظام الإقطاعي‏,‏ ووجود رجال دين من النبلاء والإقطاعيين ـ تحت سيطرة سلطة سياسية لا دينية‏,‏ ليأخذ مسار العلمنة في النمو من جديد في اتجاه معاكس وصولا إلي الحقبة المعاصرة‏.‏
ولأن العلمانية السياسية الغربية جاءت كرد فعل علي استبداد الكنيسة‏,‏ فقد عبرت عن نفسها في صورة الدولة‏‏ التنين‏‏ التي حاولت فرض هيمنتها المطلقة علي الكنيسة‏,‏ وضم النطاق الروحي إلي النطاقات الزمنية الواقعة تحت هيمنتها‏,‏ وصولا إلي الادعاء بالحق الإلهي المقدس في حكم الشعوب‏,‏ قبل أن تتكرس مثل الحداثة السياسية وتنمو دولة العقد الاجتماعي الجديد القائمة علي فصل الزمني عن الديني‏,‏ وإعادة الاعتبار للكنيسة والدولة معا‏,‏ كل في مجاله‏.‏وفي موازاة تمددها السياسي‏,‏ اتجهت المسيحية‏(‏ الكنسية‏)‏ نحو فقدان روحانيتها الصرفة‏,‏ واستعادة انشغالها الدنيوي بالعالم من قلب الإقطاع الأوروبي‏,‏ وإن لم يتضح ذلك الانشغال إلا مع الانقلاب البروتستانتي الذي جعل النجاح المادي أمرا‏,‏ ليس فقط مشروعا طالما كان مؤسسا علي الرغبة في تنمية الثروة مع الزهد في الاستمتاع بها‏,‏ بل ومرغوبا أيضا كطريق للخلاص الأخروي وعلامة علي النجاح في تحقيقه‏.‏
غير أن الحداثة الغربية كبنية تاريخية ازدادت تركيبا بتوالي عصورها‏:‏ النهضة‏,‏ والتنوير‏,‏ والصناعة‏,‏ سرعان ما تجاوزت الزهد البروتستانتي إلي نزعة مادية‏,‏ أخذت تزداد ابتعادا عن الحاكمية الإلهية للوجود‏,‏ وخضوعا لحاكمية الإنسان المتطرفة‏,‏ التي جعلت من الخبرة الإنسانية وحدها‏,‏ ومن القيم الوضعية‏/‏ النسبية التي أنتجتها‏,‏ مطلقا جديدا يقاس إليه‏,‏ وتتحدد في ضوئه غايات الاجتماع الإنساني التي غالبا ما عبرت عن نفسها في بنية أخلاقية مستقلة عن المقدس وعن الفطرة الإنسانية ذاتها‏,‏ علي نحو ما يتبدي في أخلاق ما بعد الطبيعة وخصوصا‏‏ الشذوذ الجنسي‏.‏
وفي المقابل دفعت الحركة التاريخية في الإسلام نحو العلمانية السياسية بعد جيل واحد أو جيلين علي الأكثر من وفاة الرسول الكريم‏,‏ إذ لم تكن هناك تقاليد واضحة‏‏ شرعية‏‏ لاختيار خليفته‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بعد رحيله‏,‏ أو لانتقال السلطة بين الخلفاء الراشدين‏,‏ إذ أخذ كل منهم بيعته في ظل ملابسات سياسية‏,‏ وضرورات عملية مغايرة لسابقه‏.‏ وبانتهاء حكم الراشدين تبدت السلطة السياسية كشأن تاريخي بحت‏,‏ فلم تكن هناك أي مؤسسة دينية مهيمنة سياسيا‏,‏ بل علي العكس‏,‏ بدت السياسة مهيمنة علي الدين‏,‏ بل وفاعلة في أغلب الصراعات التي دارت آنذاك بين الفرق والمذاهب الكلامية والفقهية‏.‏ ولعل ما قام به المأمون من قهر للإمام أحمد بن حنبل لصالح التيار المعتزلي في محنة خلق القرآن‏,‏ مثلا‏,‏ لم يكن يفترق عما قام به قبل ذلك الإمبراطور قسطنطين ضد آريوس بسبب الخلاف حول طبيعة المسيح‏,‏ لصالح إثناسيوس أسقف الإسكندرية‏,‏ ما يؤكد أن الإسلام لم يكن مانعا لصيرورة العلمنة السياسية‏.‏غير أن علمانية الإسلام التي جسدتها تجارب المسلمين السياسية في التاريخ لم تكن بالتأكيد هي تلك العلمانية الحديثة الموشاة بالليبرالية والديمقراطية‏,‏ بل صور بدائية منها‏,‏ تلك التي سمح التطور التاريخي بوجودها‏.‏

وعلي هذا فإن توشية الإسلام بجل القيم الديمقراطية المعاصرة لا يبدو فقط أمرا ممكنا بل يمكن اعتباره مطلبا دينيا أيضا‏,‏ ذلك أن كل فكرة تمكن الإنسان من ممارسة أكثر إبداعية لعهد استخلافه علي الأرض‏,‏ هي فكرة إسلامية بالضرورة‏.‏

فالإسلام‏,‏ كدين شامل وخالد‏,‏ وحتي يبقي كذلك‏,‏ لا يقف عند حدود أركانه الخمس‏,‏ ولا يجسد نسقا مغلقا جامعا مانعا ينتفي عنه كل ما عداه‏,‏ بل نسقا مفتوحا يستوعب كل فكرة خلاقة أو فعل مبدع في التاريخ طالما كانا قادرين علي ترقية الحضور الإنساني علي الأرض‏,‏ من دون نفي لمركزية الله في الوجود‏,‏ وهكذا تصير علمانية الإسلام السياسية موقفا جدليا يتجاوز موقفين متطرفين‏:‏

الأول هو موقف التيار القائل بحاكمية الشريعة‏,‏ والذي يضعها في يد نخبة بذاتها تحتكرها‏,‏ بحجة أنها الأقدر علي تفسير نصوصها‏,‏ وهو أمر يرفضه الإسلام‏.‏ فكما أن من حق كل مسلم صحيح أن يقرأ القرآن ويفسره إذا امتلك مؤهلات ذلك‏,‏ يكون من حق كل فرد أو حزب أن يمارس السلطة بتفويض منا نحن حسب إبداعية برامجه في مواجهة أزمات واقعنا‏,‏ وشرط حضورنا التاريخي‏.‏
وإذا كان الفقيه المجتهد يبقي قابلا للوقوع في الخطأ فيصيب أجرا واحدا ويحرم من الثاني‏,‏ فإن سلطة الأمة تبقي معرضة للفساد‏,‏ ولكن تبقي فضيلتها الأساسية كامنة في خلوها من القداسة علي نحو يسمح بمراجعتها‏.‏ وكما أننا نستطيع أن نرفض اجتهاد فقيه من دون أن يكون قادرا علي الادعاء بامتلاكه الحقيقة المطلقة‏,‏ فإننا نستطيع كذلك تغيير السلطة الحاكمة من دون وقوف عند أي ادعاء بامتلاكها الشرعية المقدسة‏.‏
والثاني هو موقف القائلين بعلمانية مطلقة للوجود‏,‏ حيث يتمزق الجسر الرابط بين الأصل الإلهي والوجود الإنساني‏,‏ وتهيمن نزعة دنيوية بحتة متحررة من أي مرجعية إيمانية‏,‏ كما يشي المسار العام للحداثة الغربية‏.‏ هذا الموقف قد يقود إلي الدولة التنين بتعبير توماس هوبز‏,‏ أو الدولة المطلقة حسب هيجل‏,‏ أو الدولة الليبرالية الديمقراطية حسب جون لوك‏,‏ ولكن المشترك الذي يجمع بينها جميعا أنها مرجعية ذاتها‏,‏ وأن قيمها وغاياتها تنبع من داخلها‏,‏ وأن جميع رعاياها لابد أن يدوروا في فلكها‏,‏ لأنها الطريق الوحيد إلي تصالح كل فرد مع الآخرين‏,‏ ومع نفسه أيضا‏,‏ إذ لا حرية لفرد‏,‏ إلا داخل سيادتها‏,‏ وفي ظل الهيمنة المطلقة لقيمها الدنيوية‏.‏

وعلي هذا النحو‏,‏ فإن علمنة الإسلام السياسية ـ لا الوجودية ـ إنما تحرر الأمة من أثقال الماضي‏,‏ وتعيد إليها حقها في إنتاج شرعيتها السياسية الأكثر توافقا مع روح العصر‏,‏ ولكنها في الوقت نفسه لا تحرم الإسلام حقه في قمع النزعات المفرطة في الدنيوية‏,‏ والتي تحيد بالوجود الإنساني عن مرجعيته الإلهية‏,‏ وتدفع به‏,‏ لفرط أنانيتها‏,‏ إلي آتون وعي كوني‏‏ صراعي‏‏ يحتكر الثروة والسلطة العالميتين لصالح قلة من البشر علي حساب غالبيتهم‏.‏ وهكذا يستطيع الإسلام انطلاقا من علمنته السياسية‏,‏ تقديم نقد أخلاقي جوهري لتشوهات الحداثة السياسية‏,‏ علي طريق الانعتاق من كوابيس السلطة الدينية القروسطوية‏,‏ وسطوة الدولة التنين المدعية بالحق الإلهي‏,‏ وقبضة فساد وول ستريت التي تعكس مدي تفسخ دولة العقد الاجتماعي في صورتها المعولمة‏,‏ ليصبح بذلك أحد مصادر تصحيح المسيرة الإنسانية المتأرجحة علي طريق التحرر والتقدم معا‏,‏ فيما تمثل دعوي الحاكمية السياسية للشريعة‏,‏ ونقيضتها القائلة بالعلمنة المطلقة للوجود‏,‏ عقبتين كبريين علي هذا الطريق‏.‏

صلاح سالم

Thursday, February 11, 2010

Tuesday, February 9, 2010

فى التاريخ والحاضر؟













المستبد العادل جذور بالتاريخ وأغصان في الحاضر

يُعرّف الاستبداد عادة على أنه تفرد بالسلطة وعدم أخذ برأي الجماعة وتصرف بحسب الفوائد الشخصية والمصالح الذاتية، دون اعتبار لمصالح الجمهور ومطالبه، وهو في النهاية تجميع للسلطات وتغييب للقوانين. وهو حسب الكواكبي "تصرف فرد أو جماعة بحقوق شعب دون الخوف من المؤاخذة والاستجواب".

والعدل هو تصرف الحاكم بحسب مقتضيات المصلحة العامة، وهو حضور للقانون وغياب للاستفراد وتفريق للسلطات. ورغم هذه الخنادق الذي تفصل المفهومين، فقد استطاع بعض فقهائنا في أيام النكوص والسقوط أن يجمعوا الضرائر ويؤلفوا بين المتناقضات ويحدثونا بكل "براءة " وعلم، عن المستبد العادل، وينشئون الكتب في ذلك ويحدثون في الأمة خرقا، ما زالت تعيش وباله إلى اليوم.

سقطة الفقهاء قبل السقوط الحضاري
لم يكن هذا الانحراف الفقهي نحو شرعية سلطة الاستيلاء وحكم المستبد العادل إلا نتيجة لهشاشة الشرعيات الأولى التي اجتمع عليها الفقهاء وهي ولاية العهد وبيعة أهل الحل والعقد، وإذا كانت الأولى غير محسوم أمرها ولو مثلها الصدر الأول من الإسلام في تداول السلطة بين الراشدين حيث اعتبرها عمر رضي الله عنه فلتة وقى الله المسلمين من شرها، فإنها لم تكن بين الأب وأبنائه ولكن كانت خارج الشجرة العائلية، بل أن عمر استبعد ابنه منها رغم صلاحيته لها.

كان عدم تعيين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لخليفة من بعده -حسب الرواية السنية- عنوانا بارزا لدنيوية الخلافة وجعلها مفتوحة لاجتهاد المسلمين في طريقة تعيين ولاتهم، في إطار من احترام مقاصد الشريعة وروح النصوص وأهداف الإسلام. ولقد استغل بعضهم هذه النافذة المفتوحة ومنطقة الفراغ التشريعي، ليحدث في الأمة شرخا وجرحا لم يلتئم، فكانت ولاية العهد، حيث وقع اختطاف الخلافة وتحييد الرعية وإسكات الفقيه.

لم تكن ولاية العهد إلا انحرافا مدروسا ومغالطة لسبل ووسائل تداول السلطة في المجتمع الإسلامي، ولم تكن الأمة، رعية وفقهاء قد قبلت بشرعيتها، ولكن عنصر الإكراه والمباغتة والجرأة والغلبة جعلها تستوطن الإطار الحاكم قبل أن تستوطن عقلية الرعية وقلم الفقيه.

فكان عنصر الزمن عاملا مساعدا على قبولها، فصبغها بصبغة القدسية حتى أضحت الخلافة بهذه الصفة المنحرفة جزءا من الدين ومن نزعها فقد نزع رقبته من الإسلام. فغُلبت الأمة على أمرها، وتهيّب الفقيه، واشتد عود الحاكم وتواصلت سلطاته بومضات من عدل أو بسحب من الجور.

لقد كانت تجربة الراشدين فريدة ورائدة يصعب تكرارها خارج إطار المؤسسة المغيبة، لقد كانت كل التجربة فلتة حمتها ثلاثية يصعب إن لم يستحل تجددها، كانت قريبة من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فكانت القدوة حاضرة والنموذج لم ينحسر، كان روادها وقادتها الأربعة يحملون باعا نسبيا من العدل والقوة والتجرد والعمل من أجل الشأن العام، كان المجتمع يرنو إلى الينبوع الأول في صفائه ونقائه وفطرته فاصطبغ نسبيا بقيم الفضيلة والإيمان والتقوى والأخلاق العالية، حتى في ظل الرماح وتقارع السيوف.

يروى أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر يطلب منه كتب عمر بن الخطاب في القضاء والسياسة، فرد عليه سالم في رسالة مطولة ذكر فيها"... وإن عمر رضي الله عنه عمل في غير زمانك وعمل بغير رجالك، وإنك إن عملت في زمانك على الذي عمل عمر بن الخطاب في زمانه بعد الذي رأيت وبلوت، رجوت أن تكون أفضل عند الله منزلة من عمر بن الخطاب.." (1)

أما بيعة أهل الحل والعقد فرغم اعتبارها وسيلة شبه شوروية أو شورى بدائية في التمكين للحاكم، غير أنها لم تخلّ من نقائص ومفاجآت رغم مكاسبها، حتى أن بعض الفقهاء أفتى بشرعية فرد يكّون أهل الحل والعقد، فيمكّن للحاكم، فتصبح أمة بكاملها في رقبة نزوات فرد أو ميولاته أو اجتهاداته أو أهدافه، وهي نقيصة ستتواصل لغياب هذه المؤسسة الحاملة لمشروع الشورى. وهكذا شُرّع دون وعي للفردية والاستفراد في الحكم.

التسويغ والتأصيل للاستبداد
وقد انطلق هذا التسويغ التاريخي للاستبداد وتأصيل شرعية الاستحواذ على الحكم والاستيلاء على مقاليد السلطة في الكتابات الأولى للماوردي في كتابه الأحكام السلطانية حيث تجلت هذه المهمة العويصة في شرعية مشروع حكم وسلطنة خارج ما اتفق عليه الفقهاء من إلزامية الشورى والبيعة، وقد نجح الماوردي في إظهار هذه الشرعية وبلورتها تحت غطاء فقهي قوي.

"وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار -وإن خرج عن عرف التقليد- ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مدخولا ولا فاسدا معلولا فجاز فيه الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز" (2)

ولم يخرج الغزالي من هذا المسار التسويغي وكانت التعليلات نفسها من خوف على بيضة الإسلام من الفتن والاضطرابات والفوضى، وكأن حال الأمة لم يكن قد دخل بعد في مسار انحداري، وكأن التسويغ ليس في الحقيقة إلا نتيجة لإرهاصات هذا السقوط، يقول أبو حامد الغزالي: "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع" (3)، فسلطان الواقع يجب إطاعته والنزول عند حكمه ما لم يأمر بمعصية، رغم ما يلوح لنا منه من استبداد وجور وكأن الظلم والتعسف ليسا من أعظم السوءات والجنايات والمعاصي.

وأصبح هذا الغالب ذو الشوكة جائز الإمامة وواجب الاتباع، ولو كان عند البعض صبيا أو فاسقا أو جاهلا، وحمّلوا الآية الكريمة "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" أكثر من حملها، ووظفوها في خدمة الاستبداد والغلبة والجور، وأجازوا للسلطان عدم استشارة أهل الحل والعقد، والانفراد بتعيين من يرثه سلطاته بعد وفاته، فهي ملكه الشخصي وله الحرية الكاملة في الاستعمال والتفويض والتوريث.

لقد حاول بعض الفقهاء ولا شك ارتياد الشأن السياسي ولو بكثير من المناورة والمداراة، ولكن رد الحاكم كان قاسيا وعنيفا، حتى يستبعد أي دور سياسي للفقيه ولا يتقاسم معه سلطته الدينية والمدنية. ومن هنا مرت تجربة مالك مع فتوى طلاق الإكراه وموقف ابن حنبل من خلق القرآن.

لا شك أن هذه الومضات تؤكد على وجود هذا الهم السياسي المقتضب لدى بعض الفقهاء، لكن ندرته واستثناءاته يؤكدان على هشاشة البعد السياسي عامة في تنظيرات الفقيه وممارساته، وخلو الإطار السياسي كاملا للحاكم وحاشيته.

ولقد سعى الفقهاء بعد لأي ونصب وابتعاد مكره عن الحديث والتنظير في أروقة السياسة والحكم، والتزامهم بالبقاء في إطار فقه العبادات والعقائد، إلى دخول هذا الإطار مجددا ولكن من باب الترقيع والتوفيق، والواقعية المهزوزة، فأُسبغَت الشرعية على الاستبداد وكان التبرير غالبا ما يدور حول الفتنة والفوضى وحماية الإسلام، وملك غشوم خير من فتنة تدوم".


لقد كان الأجدى العودة إلى ينابيع الشورى، والجرأة على تثوير مفهومها، والإشارة الصريحة والشجاعة إلى أسباب بداية السقوط الحضاري للأمة، والذي كان أحد أسبابه المباشرة والأساسية الانحلال السياسي، والاستبداد السلطاني، والغياب الكامل للحرية السياسية تنظيرا وتنزيلا. ولعل دخول بعض الفقهاء في متاهات التمييز في مفهوم الشورى بين شورى إخبارية وأخرى ملزمة وترك مبدئية المصطلح ووضوح معناه الإلزامي.

إن هشاشة الشورى في تطبيقها التاريخي لا تعود أساسا إلى ضعف المفهوم ولكن إلى الغياب الفعلي لمأسسته، ولن تجد في كتب السابقين واللاحقين محاولة إلى تنزيل مفهوم الشورى، على مرونته وقوته، في مؤسسة تحمل آلية وقوانين، ولعل غياب الفقهاء في هذا الباب، اضطرارا أو خيارا، ودخولهم مغارة فقه الحضانة والطهارة، والتي أبدعوا فيها، جعل فقدان التنظير السياسي في هذا الباب عونا ومجلبة للتنظير للاستبداد وإمارة الاستيلاء والاستحواذ، قبل تنزيله إلى الواقع المعيش، فولّد غياب التنظير للعدل والحريات حضور التنزيل للاستبداد والجور، وكأن المستبد العادل أحد إفرازات إبداعات حضارتنا أيام نكوصها وسوادها، في ظل غياب الفقيه العدل وموت الرعية.

عندما يلتقي السواد بالسواد
هذا القبول الذي انطلق تنظيرا في التاريخ البعيد ليلامس مناشدة بعض المصلحين، نراه اليوم يعبر عنه في الكثير من الأقوال والأفعال التي يتبناها علماء الحاشية ومعارضو الديكور، وبعض صنوف من الجماهير.

ليس السكون العجيب لشعوبنا وقابليتهم الغريبة للتأقلم مع هذه الحالة التي يعيشونها من فقدان للحريات وغياب التعددية السياسية في البلاد وتجاهل لمبدأ التداول على الحكم، إلا تعبيرا عن تلازم هذا الطرح لدى الحاكم الجديد وكذلك عند رعيته.

فالحاكم ورث هذا التنظير البعيد زمانا والمتهافت نقلا وعقلا، واستغله في ترويض الجماهير وقنص رضاها. وفي غياب شرعية الصناديق، أسبغ على حكمه شرعية فقهية تاريخية، ولو أنها كانت من بنات عصور التخلف والانحطاط ومن واقع الضرورات التي تبيح المحظورات.

وأصبح مستبد اليوم يبحث في أجندته على تأكيد هذه الشرعية عبر نضاله ضد الاستعمار حينا، وعبر إصلاحاته "الثورية" حينا آخر، ليسبغ عليها صفة العادل المهموم بشأن رعيته، وحتى يضمن لنفسه لقاء تاريخيا مع المستبد العادل الذي شهده أمسنا، فيكون وفيا للأجداد وظالما للأحفاد.

لن نكون ساديين في أفهامنا، وليس بين الجور والظلم اختيار، ولكن مستبد اليوم وهو يرنو إلى إرث مستبد الأمس، لم يكن له وفيا. فرغم سواد الليالي السابقة ورفضنا لهذا الانحراف الذي طال فقهاءنا من شرعية المستبد العادل، فإن الكثير من مجلداتنا الصفراء تذكرنا على حياء بومضات من زهد لبعض هؤلاء الخلفاء، ومن حلم ومواقف عدل ومحاسبة، عجز عن الإتيان بها مستبد اليوم، الذي ورث الاستبداد وأعطاه كل حقه واستمات في الوفاء له، لكنه انهزم شر هزيمة في مواطن العدل والإنصاف، ولو على نسبيتها وصوريتها وشخصانيتها.


ولقد أثرت حالة الإحباط والارتباك التي تعيشها بعض من جماهيرنا إلى شلّ أعضائها وخيّم السكون والإرجاء على مواقفها، فلم تغادر قبورها وفضلت بوعي أو بدون وعي انتظار بركات من السماء أو من الأرض، أو التعويل على أن يكون حاكمها المستبد مستحوذا على السلطة، وأن يسمح لها بالعيش ببعض الرفاه المنشود، وهو من العدل اليسير الذي ترنو إليه وترضى به ولو على مضض، فآثرت تقاسم الأدوار، على الندية في الحقوق، فللحاكم السلطة وشأنها وللرعية فتات حقوق من أكل وشرب لبعض أفرادها.

إن الاستبداد داءٌ أشدُ وطأة من الوباء، أكثرُ هولاً من الحريق، أعظمُ تخريباً من السيل، أذلُّ للنفوس من السُّؤال، كما يقول الكواكبي، غير أن إلحاق صفة العدل به لهو جمع للخير والشر، والنور والظلام، وسعي خطير إلى تبرير المتهافت وتشريع الباطل وتكريس السقوط والفناء، وليس تواصل غيبتنا الحضارية إلا دليل على دوام هذه القصة التي طال ليلها، والتي اغترفت كيانها من عمق تاريخنا أيام سواده، لتتواصل مشاهدها المزعجة تباعا في هذا العصر المتردي.

فمن أنوار الماضي المجيد وهي كثيرة ولكن عليها غشاوة الاجتهاد المغشوش أو المبتور أو المنعدم، تتولد أنوار الحاضر، ولا سبيل إلى عالمية إسلامية ثانية منشودة إذا استمرت وتفشت هذه السلوكيات المنحرفة والتنظيرات المتهاوية، فلا عدل ولا تحضر مع الاستبداد، ولا حضارة ورقي والباب الخلفي منهك ومنهار، ودعوات الإرث والتوريث تنهال فوق الرؤوس والأعتاب.


بقلم خالد الطراولى

هوامش
ـــــــــــــــــــ
1- ابن الجوزي "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، الخليفة الزاهد" ضبط وتعليق نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1984، ص:151.
2- الماوردي "الأحكام السلطانية" ص 33
3- أبو حامد الغزالي "الاقتصاد في الاعتقاد" بيروت 1969 ص 214.

المصدر:الجزيرة

كيف يـُفكر مليار مسلم في العالم؟

Who Speaks for Islam?




Who Speaks for Islam?البروفيسور جون إسبوزيتو، مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون

داليا مجاهد
********************************

;
كثيرة هى المواقع التى تناولت هذا الكتاب الذى تحول الى فيلم كندى

يستعرض الكتاب التنوع الكبير في المجتمعات الإسلامية بامتداد العالم العربي وصولا إلى جنوب شرق آسيا إضافة إلى انتشار المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا حيث "يمثل الإسلام الديانة الثانية العظمى في أوروبا" موضحا أن في العالم الإسلامي عددا كبيرا من اللغات والأعراق والعادات وأن 57 دولة يغلب المسلمون على سكانها وأن العرب يمثلون 20 بالمئة من السكان المسلمين في العالم.

ويقول إن فشل الحكومات في الدول ذات الأغلبية المسلمة "واختطاف الحكام والمتشددين للإسلام" ساعد في تشويه صورة الإسلام في الغرب. ففي استفتاء نشر بالولايات المتحدة عام 2006 كان لدى 46 بالمئة من الأمريكيين "فكرة سلبية عن الإسلام".














******
**********




Sunday, February 7, 2010

الكواكبى

إلى روح الشيخ الذي نذر حياته لمكافحة الاستبداد
ودفع حياته ثمنا من اجل حرية الشعوب

إلى الشيخ/ عبد الرحمن الكواكبي



لقد مرت مائة عام منذ أن اغتالتك يد الاستبداد وما زالت الشعوب مرهونة بأيدي المستبدين...

وما زال الوطن والعلم والدين رهن الاعتقال
..!!

قبس من نورك في هذه الكلمات

********************
******************
الاستبداد لغة: هو غرور المرء بنفسه والأنفة عن قبول النصيحة والاستقلال بالرأي ومحاولة إلغاء الآخر
الاستبداد الفكري هو آفة أي نقاش والسوسة التي تنخر في عضد أي حضارة, فالبشرية في تاريخها لم تعرف داء أضر على هويتها وكينونتها من الاستبداد والأمر أخص عندما يتعلق بالاستبداد الفكري كونه لا يستهدف الإنسان في ماله أو قوته بل يستهدفه في عقله وتفكيره فيعمل على جعل جمجمته حجرة مستأجرة لمسلمات ومقدسات تؤخذ كما هي في غير ما نقد أو نقاش وما هي إلا شعوذات من جهل وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان.
يتخذ الاستبداد الفكري شكل فتوى في المجتمعات الدينية مهمتها نسف الآخر وإلغاؤه باسم الدين حتى لا يبقى له مصدق في مجتمع ملتزم يقدس الفتوى فلا ينقدها ويأله الشيخ فلا يجرؤ على نقاشه. يتخذ الاستبداد الفكري شكل مقص رقيب يسلط على رقاب العلماء وأقلام المفكرين كي ينصرف مفكري الأمة ومثقفيها إلى خلق النصوص في ذكر قداسة جلالة السلطان فضلا عن أي إنتاج آخر حتى تصبح الأمة مجرد شخص واحد فهي على كف عفريت إن شاء حملها وإن شاء خفضها.

والاستبداد الفكري عندما يقترن بسلطة نافذة تشجعه أو يصدر عن شخصية لها في نفوس تابعيها قداسة أو يقدم باسم الدين مزكى بالآيات ومذيلا بأقوال العلماء فإنه يتحول إلى تكميم لأفواه المفكرين وتكفير لأشخاص الناقدين ووقودا لحروب ونزاعات لمجرد أن فكرة قوبلت بنقد. وفي هذه الأوضاع يتحول الاستبداد الفكري من ظاهرة تعترض سياق حراك ثقافي أو تحول من مرحلة إلى مرحلة في طور بناء حضارة معينة كالذي يحصل حين ميلاد الرسالات السماوية و التبشير بدعوة جديدة والتسويق لقومية معينة....إلخ. إلى دستور يهيمن على تعليم وتفكير أمة بأكملها ولك أن تنظر إلى إنتاج أمة على رأسها سلطة يهتز كيانها لصدور كتاب, يتهدد أمنها القومي من أطروحة فيلسوف أو من قراءة عالم أو رأي ناقد وحينها فإن هذه السلطة كما وصفها الكواكبي هي وصي خائن على مال يتيم, يخاف أن يبلغ سن الرشد فتذهب ثروته. وكذا هي السلطة المستبدة على عقول مفكريها قوتها في عدد الجاهلين, ودوامها مرهون بذهاب المدارس ودور العلم ذهابا قد لا يكون حسيا ولكن معنويا بتسلطها على الأفهام وتخريجها لأجيال من المتميزين في نسخ الكتب حفظا ورصفها في رفوف الذاكرة وحرام عليها أن تلج إلى معامل النقد

كيف ينشأ الاستبداد الفكري؟
يبرهن لنا التاريخ على أن الاستبداد الفكري هو المتلازمة المرتبطة بأي حراك فكري جديد ولكن في الاتجاه المعاكس تخف حدته أو تشتد بحس قوة العوامل المقترنة به والآنفة الذكر. ومن هنا فإن الاستبداد الفكري قد يتخذ السلطة السياسية داعما له أو المرجعية الدينية ممرا له أو الشعب مشجعا له.. فكيف يحدث كل هذا؟
ينشأ الاستبداد الفكري في ظل سلطة جاهلة مستبدة سر ديمومتها وكيانها في ضعف تعليمها وسذاجة نقاشات واهتمامات أجيالها ولذا فإن الديكتاتورية ترتبط أول ما ترتبط بتكميم أفواه مفكريها وكثرتهم في المنافي والمعتقلات والمقابر الجماعية بالطبع

تستند هذه السلطة ــ من أجل تسلطها على فكر مثقفيها ــ على الدين في المجتمعات المتدنية 100% كما في كتب الجغرافيا فينصرف المتمجدون من رجال الدين إلى تقديس السلطة ومباركة الأحذية الغليظة التي تدوس على الصفحات والمناشير المستطيلة التي تحوم حول الرقاب والمقصات الحادة التي تتخصص في تكميم الأفواه.
ويستطرد الكواكبي في معرض حديثه عن الاستبداد قائلا: ( ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا, وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا , وعدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين) والدور البديهي لفقهاء الاستبداد هو أنهم ارتضوا أن يجعلوا من الدين غطاء ساترا يبرر أفعال المتسلطين
تستند هذه السلطة على جهل من هم دونها وعلى نظام تعليمي يصبغ العقول بالبلادة ويقاوم التفكير ويجعل من طلبة المدارس والجامعات آلات ناسخة دون تفكير أو تدبر والملاحظ أن مؤشر الاستبداد الفكري وانحطاط التعليم بينهما أقوى العلاقات فهما الساريتان اللتان تحملان سقف الاستبداد ككل وجوانب الديكتاتورية. وبالتالي تجد في النظم التعليمية منهج التلقين والحفظ واجترار المعلومات بينما لا تجد أي أثر مما يساعد على استدعاء العقلية النقدية مما يفتح إدراك المرء ليحلل الأحداث من حولها ويربط بين نظريات التعليم وأحوال الواقع وحينئذ تتولد في ذاته ثورة على الجهل والاستبداد لتقتلع أوتاد هذه السلطات لأنه وفقط اعمل عقله بتحليل الواقع وكشف اختلاله، فليس هناك من يملي عليه العلم نصوصا لا يفهم ما المراد منها وليس هناك من يحلل له الواقع مباركا الفساد ومقدسا له الأصنام. إن رأيت إلى جوانب ضعف المناهج في الحكومات المستبدة فهي غالبا كتب الدين والتاريخ فالدين الذي يقدم للطلبة معلومات جاهزة يحرم نقاشها والتفكر في معناها هو قتل لنصوص الدين وإغلاق لمقاصدها فالدين كما يدرس هو نصوص توقيفية لا نملك حق نقاشها والتفكر في عظمتها فإن سألت عن القرآن فلا يذكر شيء غير فضل حفظه وإن بحثت عن تعليم لإستراتجية قراءة النص واستخلاص المعنى منه والحكم الفقهي والثابت العقدي لوجدت معلمي هذه المواد هم أجهل الناس بها وكيف لأمة أن تفهم دينها فهما صحيحا وهناك من يضعها لها في قوالب جاهزة ( تفسير وتوحيد وفقه وحديث) ولك أن تسأل عن التكامل والترابط بين هذه القوالب

لك أن تعجب من امة كافرة لا تقيم للدين وزنا ولا لله إيمانا وهي مع ذلك أمة ناجحة وثرية في إنتاجها ونافذة في سياستها والجواب هو أن لهذا الكون سننا أجراها الله فيه فالنتيجة لها ثمة سبب هو أنهم يتفكرون ويعقلون ويفقهون!! لا ترفع فوق هاماتهم للاستبداد خطوة لأنهم أمة تتكامل في أداء أدوارها نحو قيمها ومبادئها ومن زرع حصد ولو كانت شجرة سقوم.
هؤلاء الذين هم في نظرنا عجلت لهم خيراتهم في الدنيا هم يفكرون كما فكر الجيل الأول من حملة هذا الدين حين اضطلعوا بمهمة نشره فتكاملت أدوارهم وواجباتهم تجاه قضيتهم فليس أبو بكر هو المسئول عن هداية أهل الردة بل إن هناك خالدا وسعدا وزيدا وكل قائم على ثغر من ثغور الدين خير قيام . مرده إلى مدرسة تربوا فيها جعلت من نصوص الدين سلوكا وليس مجرد مجلدات ترصف على رفوف الذاكرة. ونحن اليوم بفضل الخضوع للاستبداد الفكري أمة معطلة الأدوار يجهل كل فرد فيها مهمته وقضيته وكل يكلها إلى الآخر

الاستبداد الفكري ينشأ حين يتحول العمل الثقافي إلى مشروع رياء كبير يرفض أن تكون الثقافة معبرة عن واقع مجتمعها وصورته الحقيقية وإنما تظل دائرة في فلك المثاليات والمفترضات فتكون السلطة هنا منافقة حاذقة تعمل على تنقية الأفكار فتختار منها ما وافق الصورة الأفلاطونية المتوهمة وتغتال أي محاولة لنقاش واقع المجتمع وأمراضه لأنها بنظرهم تهديد لقيم المجتمع وثوابت الدين وتتحول معها الثقافة إلى طلاسم و شعوذات يرفض أن يتعاطاها عاقل لأنها لا تعبر عنه. حين يبرز من بيننا أشخاص يحملون فكرا لم يأتوا به من السماء بل هو ثمرة ثقافتنا التي لا بد أن نؤمن بواقعيتها وليس بمثاليتها فتسلط عليهم مناشير السلطة وفتاوى المرجعيات الدينية وهتافات الشعوب منددة بخروجهم عما نتوهم من مثالية وأفلاطونية ونرفض أن نناقش من طرحهم ولو فكرة في منهج عقلاني سديد. من الطبيعي أن نرفض في هذه الحالة أن نتعامل مع هذا الثقافة الانتقائية لأننا نعيش الوجع ولن نصدق ألف طبيب بقسم لنا بأنا أصحاء

ينشأ الاستبداد الفكري حين تتغلغل الخرافة والأسطورة في جسد مجتمع ما وتصبح عقيدة متمكنة من نفوس تابعيها وأي محاولة لنقدها أو المساس بها كفيلة بإقامة مجزرة والفتك بشعب كامل وهذا الاستبداد هو الأغلظ حذاء والأعلى كعبا فكيف لناقد أن يواجه مجتمعا كاملا بحقيقة تعارض مبدأه الأساسي الذي يقوم عليه معتقده وفكره.
إن هذه المواجهة هي أقسى ما يمكن أن يعترض طريق الإصلاح من حواجز ولذا فهي المهمة التي اضطلع بها أنبياء الله في هداية البشرية حين يستبد بها الجهل وتتكاثر في أوساط معتقداتها الخرافة والأساطير وحيث أن الجهود الفردية في مواجهة هذه المجتمعات هي أقرب للانتحار منه إلى التغيير فإن تجارب قليلة في مسيرة البشرية هي التي نجحت في كسر مناشير الاستبداد.
منقول بتصرف