Tuesday, June 22, 2010

اطاعـووووووه ..؟


















اطاعـووووووه ..؟

لم يكتفِ القرآن الكريم بفَضْح الفرعونيَّة والإنكار الشديد عليها، وإنَّما حمَّل المسؤوليَّة كذلك للجماهير الرَّاضِخة المستسلِمة؛ فقال عن فرعون: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [الزخرف: 54].
فالظاهرة الفرعونيَّة تتَشَكَّل من الطاغِيَة الغَشُوم من جِهَة، والأمَّة المتَّصِفة بالسلبيَّة من جِهَة ثانية، ولم تأتِ هذه السلبيَّة وهذا الخُنُوع إلاَّ من حالة نفسية وفكرية هي "القابلية للاستِخفاف"، تمامًا مثل الظاهرة الاستعمارية التي حلَّلها الأستاذ مالك بن نبي - رحمه الله - تحليلاً علميًّا تاريخيًّا دقيقًا ليَخلُص إلى استِنباط سببها المتمثِّل في "القابليَّة للاستِعمار"؛ أي: وجود الأمَّة في حالة من الضَّعْفِ الثقافي والانهِيار النفسي والعجز عن الأداء تقضي على مناعتها الذاتية، فتكون فريسةً سهلةً للاحتِلال الأجنبي، وهذا يَنطَبِق تمامًا على الفرعونيَّة انطباقه على الاستعمار.
إعلان فرعون "أنا ربُّكم الأعلى": "قالها الطاغية مخدوعًا بغفلة جماهيره وإذعانها وانقيادها، فما يخدع الطُّغَاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلَّتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلاَّ فرد لا يملك في الحقيقة قوَّةً ولا سلطانًا، إنَّما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب، وتَمُدُّ له أعناقها فيجر، وتَحنِي له رؤوسها فيستعلي، وتَتنازَل له عن حقِّها في العزَّة والكرامة فيَطغَى.
والجماهير تفعل هذا مخدوعةً من جِهَة، وخائفةً من جِهَة أخرى، وهذا الخوف لا ينبَعِث إلاَّ من الوهْم، فالطاغية - وهو فرد - لا يُمكِن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنَّها شعرت بإنسانيَّتها وكرامتها وعزَّتها وحريَّتها، وكلُّ فردٍ فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوَّة، ولكن الطاغية يخدعها فيُوهِمها أنَّه يملك لها شيئًا، وما يُمكِن أن يَطغَى فردٌ في أمَّة كريمة أبدًا، وما يُمكِن أن يطغى فردٌ في أمَّة رشيدة أبدًا، وما يُمكِن أن يطغى فردٌ في أمَّة تعرِف ربها وتُؤمِن به، وتأبى أن تتعبَّد لواحدٍ من خلقه لا يملك ضرًّا ولا رشدًا.
فأمَّا فرعون فوَجَد في قومِه من الغفلة ومن الذلَّة ومن خَوَاء القلب من الإيمان ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: "أنا ربكم الأعلى"، وما كان ليقولها أبدًا لو وجد أمَّةً واعيةً كريمةً مؤمنةً، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدِر على شيء، وإنْ يسلبه الذباب شيئًا لا يستنقذ من الذباب شيئًا
!".
وليست المسألة متعلِّقةً بفترة تاريخية مُعيَّنة، ولا بحيِّز من الأرض، ولا بقومٍ دون آخَرين، إنما هي مجموعةٌ من الخصائص تَتجَمَّع بالتَّراكُم في شعبٍ أو شعوبٍ تَنهار نفسيًّا فتَفقِد الثقة بذاتها، ولا تَقوَى على تَفعِيل طاقاتها البشرية والمادية، فتخلد إلى إسلام أمرها إلى كلِّ مُتَسلِّط يفعل بها ما يشاء، سواء كان احتلالاً خارجيًّا، أم حاكمًا جائرًا، فهي كالجسم الفاقِد للمناعة تَعبَث به العِلَل وتُنهِكه الأمراض، فيُحاوِل صدَّها بأدوية لا فاعليَّةَ لها فيَنتَهِي به الأمر إلى الاستِسلام، وربما لعن المرض والعلاج الفاشل وغفل عن حالته العامَّة، وعدم أداء مختلف الأجهزة والغُدَد والأعضاء لوظائفها، فالموت هنا مسألة وقت لا مَحَالة.
فترى اناس ترضى بالهون والدون، تُدِير الخدَّ الأيسر لِمَن لطم خدَّها الأيمن، تُبارِك جَلاَّديها وتَستَمتِع بالظُّلم الواقع بها؟! أمَّا حين يأتي عليها حينٌ من الدهر وهي مهتزَّة الأركان، ضعيفة الأداء، عَدِيمة الفاعلية، كثيرة الأسقام الدينية والاجتماعية - فإنها تُصبِح مَطِيَّة سهلة لكلِّ جبَّار ظَلُوم، تجد له الأعذار وتلعَن نفسها، وبمُرور الزمن تستَمرِئ الوضع وتتخلَّى طَواعِيَة عن دفاعاتها النفسيَّة، وتَرفُض أيَّة مُحاوَلة للانعتاق؛ خوفًا من (الفتنة)، مُتَناسِيَة أنها في أتُّون الفتنة في أسوأ أشكالها وأكثرها بُغضًا عند الله - تعالى - وعند البشر الأسوياء.
إذا كانت الفرعونيَّة مُصِيبة فإن القابليَّة للاستِخفاف تُساوِيها بل قد تَتجاوَزها؛ لأنها تُمثِّل التخلِّي عن خصائص الإنسان المكرَّم

وينبَغِي أن نُشِير إلى أنَّ الغرب تَمَكَّن بعد تَجارِب استغرقَتْ قرونًا أن يحصِّن شعوبه من داء القابلية للاستِخفاف بوضع آليَّات، وإنشاء مؤسسات تتولَّى تسيير شؤونه بشكلٍ يمنَع نهائيًّا النموذج الفرعوني أو يَكاد (هذا بالنسبة لحياة الغرب الداخلية، أمَّا علاقاته بالشُّعوب الأخرى فأمر آخَر؛ إذ يَكِيل بمكيالَيْن، ويحكم معيارَيْن كما هو معروف)، وقد نجح أيما نجاح في ذلك، ومع احتِفاظِنا بشخصيَّتنا الحضارية، فإنه يَجدُر بنا إسناد أمورنا لمؤسسات ذاتيَّة قويَّة، والاحتِكام إلى آليات مضبوطة تَمنَع الانحِراف من جِهَة، والقابلية للاستخفاف من جِهَة ثانية

ولا يجوز لنا التَّساهُل مع مَن يستَسِيغون الفرعونية ويُبَرِّرونها بذَرائِع مختلفة، ويدعوننا إلى الصبر بمعناه السلبي المتمثِّل في طأطأة الرُّؤوس، والانسِحاب من ميادين إثبات الذات، والعمل بقاعدة التصوُّف الأعجمي: "دعِ الخلق للخالق والملك للمالك"، إنَّنا في حاجة إلى التشبُّع بثقافة العِزَّة والكرامة والهمَّة العالِيَة حتى نرتَقِي إلى مصافِّ الأُمَم التي تستحقُّ تولِّي مهامِّ الخلافة والعمارة، والتمكين في الأرض


عبد العزيز كحيل
بتصرف

14 comments:

Tears said...

عجبتنى اوى الفقرة دى

وليست المسألة متعلِّقةً بفترة تاريخية مُعيَّنة، ولا بحيِّز من الأرض، ولا بقومٍ دون آخَرين، إنما هي مجموعةٌ من الخصائص تَتجَمَّع بالتَّراكُم في شعبٍ أو شعوبٍ تَنهار نفسيًّا فتَفقِد الثقة بذاتها، ولا تَقوَى على تَفعِيل طاقاتها البشرية والمادية، فتخلد إلى إسلام أمرها إلى كلِّ مُتَسلِّط يفعل بها ما يشاء، سواء كان احتلالاً خارجيًّا، أم حاكمًا جائرًا، فهي كالجسم الفاقِد للمناعة تَعبَث به العِلَل وتُنهِكه الأمراض، فيُحاوِل صدَّها بأدوية لا فاعليَّةَ لها فيَنتَهِي به الأمر إلى الاستِسلام،

فى كل عصر فيه فرعون لكن المشكلة فى الشعب مش فيه لان همه اللى بيصنعوا منه فرعون او بيتركوا له الفرصة ليكون هكذا و هو من ناحيته بيعمل جاهدا على تغذيتهم بروح الخنوع و الجهل و وضعهم فى دوامة مشاكل لا تنتهي حتى يتأقلموا فتصير العبودية حياتهم الطبيعية


شكرا لك على هذا الموضوع سال

MR.PRESIDENT said...

بعد السلام والمرحبة ..
سيد سال
الأمة المصرية دائما بحاجة لمحرر لأننا عندنا
ثقافة البطل .. وثقافة أننا لن نستطيع التحرر أبدا من الظلم ..

قالها المتنبي في زمن كما قلها القرآن قبله في زمن كما طبقت علينا في زمن

" يا أمة ضحكت من جهلها الأمم "

وأنا هنا لا انكر ثقافة البطل فكل شعب يحتاج إلي بطل فعلا .. لكننا في حاجة إلي قتل شخصية البطل الذي ضحك علي دؤنا بدل من العمل تحت سلطانه

سيد سال كلامك يرمي به الي الوقت الحالي .. والوقت الحالي في رأيي يحتاج إلي أشياء جمة لا أريد أن اقولها لأنها فيها زيارة الإختفاء من علي الأرض ,, وهي لا تتوفر حاليا فينا ..

فليرحمنا الله ..

شكرا ليك وللكاتب الرائع مالك بن نبي

فتاه من الصعيد said...

الظاهره الفرعونيه...ظاهره متأصله فينا للاسف ..

اعتقد ان اي حاكم بيلعب على وتر الخنوع الوراثي لدى الشعوب...اتمنى ان تخيب حساباتهم

اختيار جميل وموفق كالعاده

تحياتي

Sharm said...

الساكت عن الحق شيطان اخرس

و الشيطان كافر فاسق

فإذا تحول الشعب الى مجموعة من الشياطين الخرس الكافرين الفاسقين فلا يجب ان ينتظروا ان يحكمهم ملاك

البنفسج الحزين said...

الشعب اللي أطفاله بيتربوا علي سماع كلام الأبوين من غير نقاش وكل مايسمع الكلام من سكات يبقي ده دليل انه ولد مؤدب ومطيع....
ولما يروحوا المدرسه يتدرس لهم بطريقه التلقين منهج عقيم من أيام العصور الوسطي ويمتحنوا بطريقه احفظ وسمع وكل ما تحفظ أكتر فرصتك في المجموع تكتر....
واللي بيسأل كتير يبقي بيتفلسف والنشيط شويه يبقي مشاغب ...
بالله عليك الطفل ده لما يكبر ويبقي شاب وراجل منتظر منه يكون عنده ثقه بنفسه أو يكون له رأي في حاجه ولا عنده فكر سياسي ....بالطبع شعب زي ده لقطه لأي فرعون نفسه يتفرعن ....لأنه اتعود طول عمرة علي الخنوع....
وعلي رأي الأغنيه بتاعه
مسلسل حدائق الشيطان...
قالوا لفرعون يا ظالم
ايش فرعنك؟؟ قال عبيدي
حين نخوا تحت المظالم
انساقوا للمرعي بايدي ....

محمود المصرى said...

ده اْسمه امتداد للطبع وانت عارف ان الطبع بيغلب التطبع والناس عايزه الى يوجها للصح مع ان الله سبحانه وتعالى قال ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما باْنفسهم
متنساش تشوف موضوعى الجديد ومتنساش التعليق لاْن راْيك يهمنى
اخوك
محمود المصرى

sal said...

تييرز

معاك حق الفقرة التى اشرت اليها واقعية اوى
وصحيحة اوى

احييك على الالتفاته النابهه

تحياتى وتقديرى

sal said...

سيادة الريس

تقبل منى هذا الرد الخاص جدا
****************



بعد السلام والمرحبة
عذرا سيدى على الاقتباس

أعزكم الله يا سيدى الرئيس و نصركم و خلد في الصالحات ذكركم. و زادكم عزا و نصرا و تمكينا
بعد المثول بين يديكم الكريمتين و بعد تقبيل يديكم الشريفتين و تقديم ما يليق بالمقام العالي من فروض الطاعة والولاء.

تقبلوا منا سيدي الرئيس أسمى آيات الولاء والطاعة والامتنان.
لمروركم الكريم على ولاية "لا اكراه" المنصتة بكل اعتزاز لتوجيهات معاليكم
..ان أى التفاتة منكم يا سيدى الرئيس تضمد الجراح، وتسكن القلوب ..وتلهم العقول
فدمتم ملاذا لكل مهموم ، ومعينا لكل محتاج .. ومتابعا لاحوال رعيتك الوفية المطيعة ، وأبقاكم الله ذخرا لهذا الوطن و حفظكم من كل مكروه وأقر عينكم بولي عهدكم الجليل وعاشت الأسرة الرئاسية الشريفة..
********************************
"مبسوط يا ريس".....
رضاكم اغلى امانينا

اقترح ان يكون النص اعلاه نموذج للمراسلات الرسمية فى دولتكم الفخيمة

والسلام على المقام العالي


**************

sal said...

فتاة الصعيد

منورانى دايما يا دكتورة
و
يا رب تخيب حساباتهم

تحياتى وتقديرى

sal said...

معاك حق يا شارم

كيفما تكونوا يولى عليكم

تحياتى

sal said...

البنفسج المبهج

صدقت
فمن خلال البيت والمدرسة والشارع
ومن خلال الادعياء
يبقى مجتمع لقطه لكل فرعون

تعليق جميل

تحياتى وتقديرى

sal said...

محمود

طبعا انا متابع لمدونتك
شكرا لتواجدك الكريم

تحياتى وتقديرى

sal said...

على فكرة الصورة المرفقة للمقال
من ناشيونال جيوغرافيك

الغروب على النيل

اخر روقان صح ياريس؟

ماجد القاضي said...

أخي الكريم.. معك في كل ما قلته من وصف للظاهرة وتحليل لبعض أسبابها.. كما أحيي ضيوفك الكرام الذين أضافوا بعض الأسباب لشرح الظاهرة..
وأحببت أن أشارك معك بأحد مواضيعي الذي أعتبره تطبيقا أو إسقاطا على الواقع؛ ليظهرر لنا نتيجة ركوع الرعية أمامي الراعي الظالم ليس فقط عليه هو بل عليهم أيضا... يشرفني زيارتك لهذا الرابطين:
http://magidalkady.blogspot.com/2010/06/11-12.html

http://magidalkady.blogspot.com/2010/06/13-22.html

تحياتي دائما لك ومواضيعك الدسمة التي تجعل القاررئ يعمل تفكيره من حين لآخر.