
في مقالتي الأخيرة "هذه الديمقراطيات المبغضة للديمقراطية" أظهرت ضعف حظوظ المشروع الديمقراطي في الوطن العربي لعوامل عدّة تضافرت كلها ضده. هل نقول على أحلامنا بالدمقرطة السلام، وآنذاك ما البديل؟.
لاستقراء مستقبل محمّل بالأخطار والوعود، يجب الخروج من التعميم فالنظام السياسي العربي واحد في هيكله لكن بحالات متباينة، ومن ثم ضرورة التصنيف.
أما وضعه في الملكيات مثل السعودية والمغرب والأردن فأصعب، ولو أنه قادر على الاستمرار زمنا غير محدّد لتوفّره على بعض الشرعية الدينية والسياسية عند عامة الناس، وشيء من المهارة في ادعاء الإصلاح، ناهيك هنا أيضا عن الدعم الخارجي.
البطن الرخوة للنظام الاستبدادي العربي هو الجملكيات (مصر، سوريا، تونس، ليبيا، الجزائر، موريتانيا، السودان، اليمن)، حيث لا شرعية تاريخية أو سياسية ولا إنجازات وإنما العجز والفساد والقمع. قدر هذا الاستبداد الفاشل العيش بأقصى العنف لا خيار غير شعار "وداوني بالتي كانت هي الداء". الصيرورة هنا بديهية: مرحلة احتضار نعايشها ولا أحد يعرف مدتها، ستتبعها مرحلة فوضى لا أحد يعرف خطورتها، ثمّ مرحلة بناء نظام جديد. لكن على أي شكل؟.
ترميم النموذج القديم؟ جدّ ممكن والمخابرات الغربية تبحث اليوم عن وكلاء جدد يحافظون في مصر وتونس وبقية الجملكيات على نفس النظام الضامن لمصالحها الإستراتيجية، لكن مع تقديم بعض الفتات للمجتمعات. المشكلة أن نفس الأسباب تؤدي لنفس النتائج، ومن ثم سنعود عاجلا أو آجلا للبحث عن بديل للبديل المغشوش.
هل تكون الديمقراطية ولو بعد جولة استبدادية عبثية أخرى؟
ممكن لأسباب سنتعرض لها لاحقا، لكن الأمر غير مضمون لإغراء بديل الاستبداد "الصالح" الذي تعطينا الصين أبرز مظاهر نجاحه.
***
لنتمعّن في بعض خصائص هذا النوع من الاستبداد، وسنرى أين تكمن خطورته على عقولنا المشوشة وقلوبنا المجروحة.
- إنه النظام الذي أنقذ أربعمائة مليون صيني من الفقر في أقل من عقدين من الزمان، ورفع الصين إلى مرتبة الاقتصاد الثاني في العالم بانتظار أن يصبح الأول.
- هو الذي أعاد للأمة الصينية سالف مجدها وجعل منها قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وحتى ثقافية ومعاهد كونفشيوس لتعليم اللغة تغزو العالم. عن الثورة العلمية والتكنولوجية حدّث ولا تسل، والصين احتلت السنة الماضية بـ120000 مقالة علمية المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة (350.000 مقالة)، وهو ما يجعل جوناتان آدمس يقول إن الموضوع ليس هل تصبح الصين أكبر منتج للعلم، لكن متى؟.
- عوض أن يتستر النظام على الفساد تراه يحاربه بلا هوادة. إن الشعبية الخارقة التي يحظى بها في الصين اليوم باو كسي لاي، عمدة شونقكينغ هي لحربه الضروس لا ضد فساد الهوامش وإنما داخل الحزب الشيوعي الحاكم وفي صفوف البوليس، أي في عقر دار السلطة.
- في نفس الفترة التي لم تعرف فيها مصر إلا رئيسا واحدا تتابع على هرم الدولة في بكين ثلاثة رؤساء هم يانغ شانغ كون (في ظل الحاكم الفعلي دنغ هسياو بنغ) وجيان زيمين والرئيس الحالي هو جينتاو، وسيتم انتخاب رئيس رابع قبل خلاص مصر من رئيسها المزمن وإفلاتها من معرّة التوريث.
تذكروا القاعدة الخلدونية عن ولع المغلوب بتقليد الغالب، وهل يوجد اليوم غالب إلا الصين؟.
ما أسهل نقل نظامها ولا شيء في جوهره (الدكتاتورية السياسية والليبرالية الاقتصادية والقومية الغازية) يتعارض مع "مقدّساتنا" أو مطامحنا، خاصة مع عقولنا المسمّمة منذ خمسة عشر قرنا بأسطورة المستبد العادل.
أضف لهذا أن مزيج القومية والإسلام السياسي يمكن أن يلعب دور الغطاء الأيدولوجي الذي يلعبه في الصين الخليط العجيب من الرأسمالية والشيوعية، إنه غطاء محلي الصنع، سهل التسويق وجاهز، فلماذا لا يكون استبداد كهذا، غير مشخّص، محارب للفساد، ناجح اقتصاديا ووطنيا، خيارنا بدل المشروع الديمقراطي المحمّل ظلما بكلّ أوزار السياسة الغربية وبكل تهم الانبتات ومنافسة الإسلام بل ومعاداته؟.
***
يجب قبل الردّ طرح سؤال آخر. لماذا تتكفل الشعوب حتى في أصعب الظروف الاقتصادية بتكاليف تربية جزء من أبنائها وبناتها وهم لا ينتجون شيئا ماديا؟، طبعا لأنها تنتظر ممّن تسميهم المثقفين الاضطلاع بمهمة لا تقل خطورة عن إنتاج الموادّ، وهي إنتاج الأفكار والتصورات لتقديم خيارات تضيء الطريق أمامها تقيها من العثرات أو من الدوران في الحلقات المفرغة.
وفي هذه اللحظة التاريخية العصيبة، وأمام كم من تقاطعات طريق خطرة، لم تكن الأمة أكثر حاجة لمثقفيها من حاجتها إليهم اليوم. إن واجب المثقف ليس التغريد مع السرب والمشي في أهواء العامة والتمسح بالفكر السائد لاكتساب شعبية رخيصة، وإنما اعتبار نفسه جندي استكشاف مهمته تجميع المعلومات عن تجارب أمته وتجارب الآخرين، والبحث في دروسها ثم العودة بكل ما في جعبته، منبّها وموصيا باتباع هذا الطريق بدل ذلك، هاجسه الأول سلامة أمته لا سلامته هو. وفي الوضع الذي نحن عليه هذا ما يجب على المثقفين وضعه نصب عيني الأمة حتى لا تضلّ طريقها مجدّدا.
- إن الطفرة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية التي تعرفها الصين ليست مرتبطة آليا بالاستبداد "الصالح"، فلها نظيرة في الهند الديمقراطية ، بل ثمة من المحللين من يرون أن هذا البلد يتوفّر على ضمانات تقدم أطول نفسا مما تعرفه الصين.
- أن وراء الستار في كل استبداد -ولو كان ناجحا- كمّ هائل من الدم والدموع (انظر تعامل السلطات الصينية مع المعارضة أو التبتيين أو الويغور)، وذلك لنزوع غريزي عند الاستبداد لاستعمال أقصى العنف مع المجتمع. ألا تكفي فاتورة نصف قرن من مساجين سياسيين ومهجّرين وموتى تحت التعذيب وما عشنا من خوف وإذلال؟.
- إن باو كسي لاي يمثل الشذوذ وليس القاعدة، ولا أحد يعرف هل سيصبح يوما رئيسا للصين؟، أم هل سينتهي كأغلب المصلحين من الداخل منفيا أو سجينا؟.
- إن الاستبداد الروسي وضع الروس في صدارة الأمم ثم انهار ومعه الروس. قد يكون هذا ما ينتظر الاستبداد في الصين رغم وطنيته وفعاليته وطهارته العابرة.
- أخيرا لا آخرا، فإن الاستبداد الصيني لا يكون إلا بصينيين. فالثقافة الصينية (مثل اليابانية) هي ثقافة "نحن"، أما نحن فمحور ثقافتنا "الأنا". انظر حولك فلن تجد إلا المتواضعين المزيفين والنرجسيين المصابين بالمرض القومي بخطورة متفاوتة (لا يدعي كاتب هذه السطور سلامته منه، لكن إنصافا له يجب التنويه بجهاده ضدّه جهاده ضدّ السمنة والتدخين، أي بكثير من الجهد وقليل من النتائج).
كل شيء في تربيتنا من إفراط أمهاتنا علينا بالتدليل إلى ما سممتنا به المدرسة من شعر الفخر وأساطير البطولات والعنجهيات، يعزّز هذه النرجسية المرضية. في أي ثقافة تجد مقولات إنما "العاجز من لا يستبد" أو "رجل كألف وألف كأفّ".
قد تكون هذه العقلية المريضة هي التي جعلت تاريخنا منذ الانقلاب الأموي تداولا على دور المستبد، وكل واحد منا ينتظر فرصته في الطابور الطويل، ولا نية جدية لأحد في تغيير قواعد اللعبة.
كم باءت كل المحاولات لبناء استبداد صالح مؤسساتي غطاؤه الإسلام بالفشل الذريع، ودولة الأشخاص هي التي تنجح دوما في السيطرة فعليا على الدين الذي تدعي أنها تخدمه وهي لا تكفّ عن استخدامه.
ومع هذا ما زال من يدّعي النجاح في ما فشلنا في تحقيقه على امتداد خمسة عشر قرنا. ثم كيف ننسى أن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز كانا الحالة الشاذة التي تحصى ولا يقاس عليها، إننا جربنا في تاريخنا المعاصر الاستبداد الوطني وغير الفاسد عبر التجربة الناصرية ولم نذهب بها بعيدا.
لذلك علينا الاقتناع والإقناع بأن الخيار الديمقراطي هو أحسن الحلول إن لم نقل أقلها سوءا؟.
السؤال ما حظوظه والحياة القاسية تعلّم أن القضايا العادلة لا تنتصر بالضرورة، والخيارات العقلانية ليست دوما هي التي تصنع التاريخ.
***
حتى لا يخضع تقييم وضع المشروع الديمقراطي العربي لا للوهم ولا للإحباط، تجب قراءته من وجهتيْ نظر متكاملتين وإن بدتا متناقضتين.
للمزيد اتبع الرابط
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/52CA8787-5379-4577-94A2-0A27D9C21DC7.htm