Thursday, February 11, 2010

Tuesday, February 9, 2010

فى التاريخ والحاضر؟













المستبد العادل جذور بالتاريخ وأغصان في الحاضر

يُعرّف الاستبداد عادة على أنه تفرد بالسلطة وعدم أخذ برأي الجماعة وتصرف بحسب الفوائد الشخصية والمصالح الذاتية، دون اعتبار لمصالح الجمهور ومطالبه، وهو في النهاية تجميع للسلطات وتغييب للقوانين. وهو حسب الكواكبي "تصرف فرد أو جماعة بحقوق شعب دون الخوف من المؤاخذة والاستجواب".

والعدل هو تصرف الحاكم بحسب مقتضيات المصلحة العامة، وهو حضور للقانون وغياب للاستفراد وتفريق للسلطات. ورغم هذه الخنادق الذي تفصل المفهومين، فقد استطاع بعض فقهائنا في أيام النكوص والسقوط أن يجمعوا الضرائر ويؤلفوا بين المتناقضات ويحدثونا بكل "براءة " وعلم، عن المستبد العادل، وينشئون الكتب في ذلك ويحدثون في الأمة خرقا، ما زالت تعيش وباله إلى اليوم.

سقطة الفقهاء قبل السقوط الحضاري
لم يكن هذا الانحراف الفقهي نحو شرعية سلطة الاستيلاء وحكم المستبد العادل إلا نتيجة لهشاشة الشرعيات الأولى التي اجتمع عليها الفقهاء وهي ولاية العهد وبيعة أهل الحل والعقد، وإذا كانت الأولى غير محسوم أمرها ولو مثلها الصدر الأول من الإسلام في تداول السلطة بين الراشدين حيث اعتبرها عمر رضي الله عنه فلتة وقى الله المسلمين من شرها، فإنها لم تكن بين الأب وأبنائه ولكن كانت خارج الشجرة العائلية، بل أن عمر استبعد ابنه منها رغم صلاحيته لها.

كان عدم تعيين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لخليفة من بعده -حسب الرواية السنية- عنوانا بارزا لدنيوية الخلافة وجعلها مفتوحة لاجتهاد المسلمين في طريقة تعيين ولاتهم، في إطار من احترام مقاصد الشريعة وروح النصوص وأهداف الإسلام. ولقد استغل بعضهم هذه النافذة المفتوحة ومنطقة الفراغ التشريعي، ليحدث في الأمة شرخا وجرحا لم يلتئم، فكانت ولاية العهد، حيث وقع اختطاف الخلافة وتحييد الرعية وإسكات الفقيه.

لم تكن ولاية العهد إلا انحرافا مدروسا ومغالطة لسبل ووسائل تداول السلطة في المجتمع الإسلامي، ولم تكن الأمة، رعية وفقهاء قد قبلت بشرعيتها، ولكن عنصر الإكراه والمباغتة والجرأة والغلبة جعلها تستوطن الإطار الحاكم قبل أن تستوطن عقلية الرعية وقلم الفقيه.

فكان عنصر الزمن عاملا مساعدا على قبولها، فصبغها بصبغة القدسية حتى أضحت الخلافة بهذه الصفة المنحرفة جزءا من الدين ومن نزعها فقد نزع رقبته من الإسلام. فغُلبت الأمة على أمرها، وتهيّب الفقيه، واشتد عود الحاكم وتواصلت سلطاته بومضات من عدل أو بسحب من الجور.

لقد كانت تجربة الراشدين فريدة ورائدة يصعب تكرارها خارج إطار المؤسسة المغيبة، لقد كانت كل التجربة فلتة حمتها ثلاثية يصعب إن لم يستحل تجددها، كانت قريبة من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فكانت القدوة حاضرة والنموذج لم ينحسر، كان روادها وقادتها الأربعة يحملون باعا نسبيا من العدل والقوة والتجرد والعمل من أجل الشأن العام، كان المجتمع يرنو إلى الينبوع الأول في صفائه ونقائه وفطرته فاصطبغ نسبيا بقيم الفضيلة والإيمان والتقوى والأخلاق العالية، حتى في ظل الرماح وتقارع السيوف.

يروى أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر يطلب منه كتب عمر بن الخطاب في القضاء والسياسة، فرد عليه سالم في رسالة مطولة ذكر فيها"... وإن عمر رضي الله عنه عمل في غير زمانك وعمل بغير رجالك، وإنك إن عملت في زمانك على الذي عمل عمر بن الخطاب في زمانه بعد الذي رأيت وبلوت، رجوت أن تكون أفضل عند الله منزلة من عمر بن الخطاب.." (1)

أما بيعة أهل الحل والعقد فرغم اعتبارها وسيلة شبه شوروية أو شورى بدائية في التمكين للحاكم، غير أنها لم تخلّ من نقائص ومفاجآت رغم مكاسبها، حتى أن بعض الفقهاء أفتى بشرعية فرد يكّون أهل الحل والعقد، فيمكّن للحاكم، فتصبح أمة بكاملها في رقبة نزوات فرد أو ميولاته أو اجتهاداته أو أهدافه، وهي نقيصة ستتواصل لغياب هذه المؤسسة الحاملة لمشروع الشورى. وهكذا شُرّع دون وعي للفردية والاستفراد في الحكم.

التسويغ والتأصيل للاستبداد
وقد انطلق هذا التسويغ التاريخي للاستبداد وتأصيل شرعية الاستحواذ على الحكم والاستيلاء على مقاليد السلطة في الكتابات الأولى للماوردي في كتابه الأحكام السلطانية حيث تجلت هذه المهمة العويصة في شرعية مشروع حكم وسلطنة خارج ما اتفق عليه الفقهاء من إلزامية الشورى والبيعة، وقد نجح الماوردي في إظهار هذه الشرعية وبلورتها تحت غطاء فقهي قوي.

"وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار -وإن خرج عن عرف التقليد- ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مدخولا ولا فاسدا معلولا فجاز فيه الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز" (2)

ولم يخرج الغزالي من هذا المسار التسويغي وكانت التعليلات نفسها من خوف على بيضة الإسلام من الفتن والاضطرابات والفوضى، وكأن حال الأمة لم يكن قد دخل بعد في مسار انحداري، وكأن التسويغ ليس في الحقيقة إلا نتيجة لإرهاصات هذا السقوط، يقول أبو حامد الغزالي: "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع" (3)، فسلطان الواقع يجب إطاعته والنزول عند حكمه ما لم يأمر بمعصية، رغم ما يلوح لنا منه من استبداد وجور وكأن الظلم والتعسف ليسا من أعظم السوءات والجنايات والمعاصي.

وأصبح هذا الغالب ذو الشوكة جائز الإمامة وواجب الاتباع، ولو كان عند البعض صبيا أو فاسقا أو جاهلا، وحمّلوا الآية الكريمة "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" أكثر من حملها، ووظفوها في خدمة الاستبداد والغلبة والجور، وأجازوا للسلطان عدم استشارة أهل الحل والعقد، والانفراد بتعيين من يرثه سلطاته بعد وفاته، فهي ملكه الشخصي وله الحرية الكاملة في الاستعمال والتفويض والتوريث.

لقد حاول بعض الفقهاء ولا شك ارتياد الشأن السياسي ولو بكثير من المناورة والمداراة، ولكن رد الحاكم كان قاسيا وعنيفا، حتى يستبعد أي دور سياسي للفقيه ولا يتقاسم معه سلطته الدينية والمدنية. ومن هنا مرت تجربة مالك مع فتوى طلاق الإكراه وموقف ابن حنبل من خلق القرآن.

لا شك أن هذه الومضات تؤكد على وجود هذا الهم السياسي المقتضب لدى بعض الفقهاء، لكن ندرته واستثناءاته يؤكدان على هشاشة البعد السياسي عامة في تنظيرات الفقيه وممارساته، وخلو الإطار السياسي كاملا للحاكم وحاشيته.

ولقد سعى الفقهاء بعد لأي ونصب وابتعاد مكره عن الحديث والتنظير في أروقة السياسة والحكم، والتزامهم بالبقاء في إطار فقه العبادات والعقائد، إلى دخول هذا الإطار مجددا ولكن من باب الترقيع والتوفيق، والواقعية المهزوزة، فأُسبغَت الشرعية على الاستبداد وكان التبرير غالبا ما يدور حول الفتنة والفوضى وحماية الإسلام، وملك غشوم خير من فتنة تدوم".


لقد كان الأجدى العودة إلى ينابيع الشورى، والجرأة على تثوير مفهومها، والإشارة الصريحة والشجاعة إلى أسباب بداية السقوط الحضاري للأمة، والذي كان أحد أسبابه المباشرة والأساسية الانحلال السياسي، والاستبداد السلطاني، والغياب الكامل للحرية السياسية تنظيرا وتنزيلا. ولعل دخول بعض الفقهاء في متاهات التمييز في مفهوم الشورى بين شورى إخبارية وأخرى ملزمة وترك مبدئية المصطلح ووضوح معناه الإلزامي.

إن هشاشة الشورى في تطبيقها التاريخي لا تعود أساسا إلى ضعف المفهوم ولكن إلى الغياب الفعلي لمأسسته، ولن تجد في كتب السابقين واللاحقين محاولة إلى تنزيل مفهوم الشورى، على مرونته وقوته، في مؤسسة تحمل آلية وقوانين، ولعل غياب الفقهاء في هذا الباب، اضطرارا أو خيارا، ودخولهم مغارة فقه الحضانة والطهارة، والتي أبدعوا فيها، جعل فقدان التنظير السياسي في هذا الباب عونا ومجلبة للتنظير للاستبداد وإمارة الاستيلاء والاستحواذ، قبل تنزيله إلى الواقع المعيش، فولّد غياب التنظير للعدل والحريات حضور التنزيل للاستبداد والجور، وكأن المستبد العادل أحد إفرازات إبداعات حضارتنا أيام نكوصها وسوادها، في ظل غياب الفقيه العدل وموت الرعية.

عندما يلتقي السواد بالسواد
هذا القبول الذي انطلق تنظيرا في التاريخ البعيد ليلامس مناشدة بعض المصلحين، نراه اليوم يعبر عنه في الكثير من الأقوال والأفعال التي يتبناها علماء الحاشية ومعارضو الديكور، وبعض صنوف من الجماهير.

ليس السكون العجيب لشعوبنا وقابليتهم الغريبة للتأقلم مع هذه الحالة التي يعيشونها من فقدان للحريات وغياب التعددية السياسية في البلاد وتجاهل لمبدأ التداول على الحكم، إلا تعبيرا عن تلازم هذا الطرح لدى الحاكم الجديد وكذلك عند رعيته.

فالحاكم ورث هذا التنظير البعيد زمانا والمتهافت نقلا وعقلا، واستغله في ترويض الجماهير وقنص رضاها. وفي غياب شرعية الصناديق، أسبغ على حكمه شرعية فقهية تاريخية، ولو أنها كانت من بنات عصور التخلف والانحطاط ومن واقع الضرورات التي تبيح المحظورات.

وأصبح مستبد اليوم يبحث في أجندته على تأكيد هذه الشرعية عبر نضاله ضد الاستعمار حينا، وعبر إصلاحاته "الثورية" حينا آخر، ليسبغ عليها صفة العادل المهموم بشأن رعيته، وحتى يضمن لنفسه لقاء تاريخيا مع المستبد العادل الذي شهده أمسنا، فيكون وفيا للأجداد وظالما للأحفاد.

لن نكون ساديين في أفهامنا، وليس بين الجور والظلم اختيار، ولكن مستبد اليوم وهو يرنو إلى إرث مستبد الأمس، لم يكن له وفيا. فرغم سواد الليالي السابقة ورفضنا لهذا الانحراف الذي طال فقهاءنا من شرعية المستبد العادل، فإن الكثير من مجلداتنا الصفراء تذكرنا على حياء بومضات من زهد لبعض هؤلاء الخلفاء، ومن حلم ومواقف عدل ومحاسبة، عجز عن الإتيان بها مستبد اليوم، الذي ورث الاستبداد وأعطاه كل حقه واستمات في الوفاء له، لكنه انهزم شر هزيمة في مواطن العدل والإنصاف، ولو على نسبيتها وصوريتها وشخصانيتها.


ولقد أثرت حالة الإحباط والارتباك التي تعيشها بعض من جماهيرنا إلى شلّ أعضائها وخيّم السكون والإرجاء على مواقفها، فلم تغادر قبورها وفضلت بوعي أو بدون وعي انتظار بركات من السماء أو من الأرض، أو التعويل على أن يكون حاكمها المستبد مستحوذا على السلطة، وأن يسمح لها بالعيش ببعض الرفاه المنشود، وهو من العدل اليسير الذي ترنو إليه وترضى به ولو على مضض، فآثرت تقاسم الأدوار، على الندية في الحقوق، فللحاكم السلطة وشأنها وللرعية فتات حقوق من أكل وشرب لبعض أفرادها.

إن الاستبداد داءٌ أشدُ وطأة من الوباء، أكثرُ هولاً من الحريق، أعظمُ تخريباً من السيل، أذلُّ للنفوس من السُّؤال، كما يقول الكواكبي، غير أن إلحاق صفة العدل به لهو جمع للخير والشر، والنور والظلام، وسعي خطير إلى تبرير المتهافت وتشريع الباطل وتكريس السقوط والفناء، وليس تواصل غيبتنا الحضارية إلا دليل على دوام هذه القصة التي طال ليلها، والتي اغترفت كيانها من عمق تاريخنا أيام سواده، لتتواصل مشاهدها المزعجة تباعا في هذا العصر المتردي.

فمن أنوار الماضي المجيد وهي كثيرة ولكن عليها غشاوة الاجتهاد المغشوش أو المبتور أو المنعدم، تتولد أنوار الحاضر، ولا سبيل إلى عالمية إسلامية ثانية منشودة إذا استمرت وتفشت هذه السلوكيات المنحرفة والتنظيرات المتهاوية، فلا عدل ولا تحضر مع الاستبداد، ولا حضارة ورقي والباب الخلفي منهك ومنهار، ودعوات الإرث والتوريث تنهال فوق الرؤوس والأعتاب.


بقلم خالد الطراولى

هوامش
ـــــــــــــــــــ
1- ابن الجوزي "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، الخليفة الزاهد" ضبط وتعليق نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1984، ص:151.
2- الماوردي "الأحكام السلطانية" ص 33
3- أبو حامد الغزالي "الاقتصاد في الاعتقاد" بيروت 1969 ص 214.

المصدر:الجزيرة

كيف يـُفكر مليار مسلم في العالم؟

Who Speaks for Islam?




Who Speaks for Islam?البروفيسور جون إسبوزيتو، مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون

داليا مجاهد
********************************

;
كثيرة هى المواقع التى تناولت هذا الكتاب الذى تحول الى فيلم كندى

يستعرض الكتاب التنوع الكبير في المجتمعات الإسلامية بامتداد العالم العربي وصولا إلى جنوب شرق آسيا إضافة إلى انتشار المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا حيث "يمثل الإسلام الديانة الثانية العظمى في أوروبا" موضحا أن في العالم الإسلامي عددا كبيرا من اللغات والأعراق والعادات وأن 57 دولة يغلب المسلمون على سكانها وأن العرب يمثلون 20 بالمئة من السكان المسلمين في العالم.

ويقول إن فشل الحكومات في الدول ذات الأغلبية المسلمة "واختطاف الحكام والمتشددين للإسلام" ساعد في تشويه صورة الإسلام في الغرب. ففي استفتاء نشر بالولايات المتحدة عام 2006 كان لدى 46 بالمئة من الأمريكيين "فكرة سلبية عن الإسلام".














******
**********




Sunday, February 7, 2010

الكواكبى

إلى روح الشيخ الذي نذر حياته لمكافحة الاستبداد
ودفع حياته ثمنا من اجل حرية الشعوب

إلى الشيخ/ عبد الرحمن الكواكبي



لقد مرت مائة عام منذ أن اغتالتك يد الاستبداد وما زالت الشعوب مرهونة بأيدي المستبدين...

وما زال الوطن والعلم والدين رهن الاعتقال
..!!

قبس من نورك في هذه الكلمات

********************
******************
الاستبداد لغة: هو غرور المرء بنفسه والأنفة عن قبول النصيحة والاستقلال بالرأي ومحاولة إلغاء الآخر
الاستبداد الفكري هو آفة أي نقاش والسوسة التي تنخر في عضد أي حضارة, فالبشرية في تاريخها لم تعرف داء أضر على هويتها وكينونتها من الاستبداد والأمر أخص عندما يتعلق بالاستبداد الفكري كونه لا يستهدف الإنسان في ماله أو قوته بل يستهدفه في عقله وتفكيره فيعمل على جعل جمجمته حجرة مستأجرة لمسلمات ومقدسات تؤخذ كما هي في غير ما نقد أو نقاش وما هي إلا شعوذات من جهل وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان.
يتخذ الاستبداد الفكري شكل فتوى في المجتمعات الدينية مهمتها نسف الآخر وإلغاؤه باسم الدين حتى لا يبقى له مصدق في مجتمع ملتزم يقدس الفتوى فلا ينقدها ويأله الشيخ فلا يجرؤ على نقاشه. يتخذ الاستبداد الفكري شكل مقص رقيب يسلط على رقاب العلماء وأقلام المفكرين كي ينصرف مفكري الأمة ومثقفيها إلى خلق النصوص في ذكر قداسة جلالة السلطان فضلا عن أي إنتاج آخر حتى تصبح الأمة مجرد شخص واحد فهي على كف عفريت إن شاء حملها وإن شاء خفضها.

والاستبداد الفكري عندما يقترن بسلطة نافذة تشجعه أو يصدر عن شخصية لها في نفوس تابعيها قداسة أو يقدم باسم الدين مزكى بالآيات ومذيلا بأقوال العلماء فإنه يتحول إلى تكميم لأفواه المفكرين وتكفير لأشخاص الناقدين ووقودا لحروب ونزاعات لمجرد أن فكرة قوبلت بنقد. وفي هذه الأوضاع يتحول الاستبداد الفكري من ظاهرة تعترض سياق حراك ثقافي أو تحول من مرحلة إلى مرحلة في طور بناء حضارة معينة كالذي يحصل حين ميلاد الرسالات السماوية و التبشير بدعوة جديدة والتسويق لقومية معينة....إلخ. إلى دستور يهيمن على تعليم وتفكير أمة بأكملها ولك أن تنظر إلى إنتاج أمة على رأسها سلطة يهتز كيانها لصدور كتاب, يتهدد أمنها القومي من أطروحة فيلسوف أو من قراءة عالم أو رأي ناقد وحينها فإن هذه السلطة كما وصفها الكواكبي هي وصي خائن على مال يتيم, يخاف أن يبلغ سن الرشد فتذهب ثروته. وكذا هي السلطة المستبدة على عقول مفكريها قوتها في عدد الجاهلين, ودوامها مرهون بذهاب المدارس ودور العلم ذهابا قد لا يكون حسيا ولكن معنويا بتسلطها على الأفهام وتخريجها لأجيال من المتميزين في نسخ الكتب حفظا ورصفها في رفوف الذاكرة وحرام عليها أن تلج إلى معامل النقد

كيف ينشأ الاستبداد الفكري؟
يبرهن لنا التاريخ على أن الاستبداد الفكري هو المتلازمة المرتبطة بأي حراك فكري جديد ولكن في الاتجاه المعاكس تخف حدته أو تشتد بحس قوة العوامل المقترنة به والآنفة الذكر. ومن هنا فإن الاستبداد الفكري قد يتخذ السلطة السياسية داعما له أو المرجعية الدينية ممرا له أو الشعب مشجعا له.. فكيف يحدث كل هذا؟
ينشأ الاستبداد الفكري في ظل سلطة جاهلة مستبدة سر ديمومتها وكيانها في ضعف تعليمها وسذاجة نقاشات واهتمامات أجيالها ولذا فإن الديكتاتورية ترتبط أول ما ترتبط بتكميم أفواه مفكريها وكثرتهم في المنافي والمعتقلات والمقابر الجماعية بالطبع

تستند هذه السلطة ــ من أجل تسلطها على فكر مثقفيها ــ على الدين في المجتمعات المتدنية 100% كما في كتب الجغرافيا فينصرف المتمجدون من رجال الدين إلى تقديس السلطة ومباركة الأحذية الغليظة التي تدوس على الصفحات والمناشير المستطيلة التي تحوم حول الرقاب والمقصات الحادة التي تتخصص في تكميم الأفواه.
ويستطرد الكواكبي في معرض حديثه عن الاستبداد قائلا: ( ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا, وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا , وعدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين) والدور البديهي لفقهاء الاستبداد هو أنهم ارتضوا أن يجعلوا من الدين غطاء ساترا يبرر أفعال المتسلطين
تستند هذه السلطة على جهل من هم دونها وعلى نظام تعليمي يصبغ العقول بالبلادة ويقاوم التفكير ويجعل من طلبة المدارس والجامعات آلات ناسخة دون تفكير أو تدبر والملاحظ أن مؤشر الاستبداد الفكري وانحطاط التعليم بينهما أقوى العلاقات فهما الساريتان اللتان تحملان سقف الاستبداد ككل وجوانب الديكتاتورية. وبالتالي تجد في النظم التعليمية منهج التلقين والحفظ واجترار المعلومات بينما لا تجد أي أثر مما يساعد على استدعاء العقلية النقدية مما يفتح إدراك المرء ليحلل الأحداث من حولها ويربط بين نظريات التعليم وأحوال الواقع وحينئذ تتولد في ذاته ثورة على الجهل والاستبداد لتقتلع أوتاد هذه السلطات لأنه وفقط اعمل عقله بتحليل الواقع وكشف اختلاله، فليس هناك من يملي عليه العلم نصوصا لا يفهم ما المراد منها وليس هناك من يحلل له الواقع مباركا الفساد ومقدسا له الأصنام. إن رأيت إلى جوانب ضعف المناهج في الحكومات المستبدة فهي غالبا كتب الدين والتاريخ فالدين الذي يقدم للطلبة معلومات جاهزة يحرم نقاشها والتفكر في معناها هو قتل لنصوص الدين وإغلاق لمقاصدها فالدين كما يدرس هو نصوص توقيفية لا نملك حق نقاشها والتفكر في عظمتها فإن سألت عن القرآن فلا يذكر شيء غير فضل حفظه وإن بحثت عن تعليم لإستراتجية قراءة النص واستخلاص المعنى منه والحكم الفقهي والثابت العقدي لوجدت معلمي هذه المواد هم أجهل الناس بها وكيف لأمة أن تفهم دينها فهما صحيحا وهناك من يضعها لها في قوالب جاهزة ( تفسير وتوحيد وفقه وحديث) ولك أن تسأل عن التكامل والترابط بين هذه القوالب

لك أن تعجب من امة كافرة لا تقيم للدين وزنا ولا لله إيمانا وهي مع ذلك أمة ناجحة وثرية في إنتاجها ونافذة في سياستها والجواب هو أن لهذا الكون سننا أجراها الله فيه فالنتيجة لها ثمة سبب هو أنهم يتفكرون ويعقلون ويفقهون!! لا ترفع فوق هاماتهم للاستبداد خطوة لأنهم أمة تتكامل في أداء أدوارها نحو قيمها ومبادئها ومن زرع حصد ولو كانت شجرة سقوم.
هؤلاء الذين هم في نظرنا عجلت لهم خيراتهم في الدنيا هم يفكرون كما فكر الجيل الأول من حملة هذا الدين حين اضطلعوا بمهمة نشره فتكاملت أدوارهم وواجباتهم تجاه قضيتهم فليس أبو بكر هو المسئول عن هداية أهل الردة بل إن هناك خالدا وسعدا وزيدا وكل قائم على ثغر من ثغور الدين خير قيام . مرده إلى مدرسة تربوا فيها جعلت من نصوص الدين سلوكا وليس مجرد مجلدات ترصف على رفوف الذاكرة. ونحن اليوم بفضل الخضوع للاستبداد الفكري أمة معطلة الأدوار يجهل كل فرد فيها مهمته وقضيته وكل يكلها إلى الآخر

الاستبداد الفكري ينشأ حين يتحول العمل الثقافي إلى مشروع رياء كبير يرفض أن تكون الثقافة معبرة عن واقع مجتمعها وصورته الحقيقية وإنما تظل دائرة في فلك المثاليات والمفترضات فتكون السلطة هنا منافقة حاذقة تعمل على تنقية الأفكار فتختار منها ما وافق الصورة الأفلاطونية المتوهمة وتغتال أي محاولة لنقاش واقع المجتمع وأمراضه لأنها بنظرهم تهديد لقيم المجتمع وثوابت الدين وتتحول معها الثقافة إلى طلاسم و شعوذات يرفض أن يتعاطاها عاقل لأنها لا تعبر عنه. حين يبرز من بيننا أشخاص يحملون فكرا لم يأتوا به من السماء بل هو ثمرة ثقافتنا التي لا بد أن نؤمن بواقعيتها وليس بمثاليتها فتسلط عليهم مناشير السلطة وفتاوى المرجعيات الدينية وهتافات الشعوب منددة بخروجهم عما نتوهم من مثالية وأفلاطونية ونرفض أن نناقش من طرحهم ولو فكرة في منهج عقلاني سديد. من الطبيعي أن نرفض في هذه الحالة أن نتعامل مع هذا الثقافة الانتقائية لأننا نعيش الوجع ولن نصدق ألف طبيب بقسم لنا بأنا أصحاء

ينشأ الاستبداد الفكري حين تتغلغل الخرافة والأسطورة في جسد مجتمع ما وتصبح عقيدة متمكنة من نفوس تابعيها وأي محاولة لنقدها أو المساس بها كفيلة بإقامة مجزرة والفتك بشعب كامل وهذا الاستبداد هو الأغلظ حذاء والأعلى كعبا فكيف لناقد أن يواجه مجتمعا كاملا بحقيقة تعارض مبدأه الأساسي الذي يقوم عليه معتقده وفكره.
إن هذه المواجهة هي أقسى ما يمكن أن يعترض طريق الإصلاح من حواجز ولذا فهي المهمة التي اضطلع بها أنبياء الله في هداية البشرية حين يستبد بها الجهل وتتكاثر في أوساط معتقداتها الخرافة والأساطير وحيث أن الجهود الفردية في مواجهة هذه المجتمعات هي أقرب للانتحار منه إلى التغيير فإن تجارب قليلة في مسيرة البشرية هي التي نجحت في كسر مناشير الاستبداد.
منقول بتصرف

Friday, February 5, 2010

كيف ولماذا ؟








قرأت عن الاسباب التى تساعد فى عملية استمرار واقع الاستبداد فى منطقتنا

العربية كلها ، وحاولت فى تدوينات سابقة الاشارة

الى بعضها...ولكنى الحظ ان هناك عامل مهم ساتناوله هنا ....

الا وهو تحول التيارات السياسية والفكرية الراغبة في التغيير من معركتها مع الدولة الى معركة مع شركائهم فى المجتمع

اصحاب التيارات المعادية لمشروعهم ورؤيتهم السياسية.

وهذا ما هو حاصل للموجة المطالبة بالاصلاح السياسي ، ففى احيان كثيرة تنحرف هذه التيارات عن عملية الضغط على الدولة الى معارك جانبية تخوضها مع المجتمع وبذلك يفقد المطالبون بالاصلاح السياسي الرؤية والقدرة على التأثير في مسيرة التغيير بل انهم ينخرطوا في صراع غير منته مع اطياف سياسية اجتماعية أخرى التي تتحول بالنسبة لهم الى عدو اول...

وهذا بالفعل ما يحصل اليوم ،، ولكى لا نعمم ...فكثير من اهل اليسار يضربون تحت الحزام كل ذى رؤية اسلامية او ليبرالية ،، وكثير من " الاسلاميون"

يمارسون نفس الفعل فيما عداهم من التيارات الاخرى بل يصل الامر الى التكفير والتخوين...

حدث ولا حرج ...؟

ويتجلى هذا بالاعتقاد السائد في ذهنية الناشطين والكتاب والمفكرين من مختلف الأطياف السياسية بأن كلا منهم يعتقد انه يمسك

"بتلابيب" الحقيقة وان ما عداه على باطل . ولذا فقد أجل هؤلاء التصادم مع الدولة وانهمكوا فى عملية الاقصاء والحجر على

على حرية الاخرين شركائهم فى الحراك السياسى .

ويبدو انهم تناسوا ان مصلحة اى نظام استبدادي هو ان تنخرط التيارات السياسية في معركة طويلة الأمد وغير معروفة النتائج مع بعضها البعض حول هوية المجتمع وليس هوية الدولة ، فالصراع على المجتمع ومع المجتمع يزيح الضغط السياسي عن الدولة ويعفيها من مسؤوليتها تجاه الاصلاح السياسي خلف شعارات الحفاظ على السلام الداخلي واستبعاد الفتنة واستفزاز المجتمع المنقسم على ذاته. فيؤجل الحكم الاستبدادي التعاطي مع دعوات التغيير بينما المجتمع ينخرط في معارك جانبية تنهكه وتنخر قواه وتبعده عن المعركة السياسية الحقيقية مع النظام ولنا في ذلك أمثلة كثيرة ومتعددة. ...

فالعدو في معركتهم هو الآخر المجتمعي وليس مصدر التغييرات الاجتماعية والاعلامية، بل منهم من يعتقد ان الدولة قادرة على حماية فضيلة المجتمع من آخرين يجرونه الى الرذيلة !!!

وتحولت معركة هؤلاء الى معركة مع المجتمع وليس الحكم. فهم يدركون ويفهمون احتكار السلطة وسرية القرار وتفشي الفساد في أعلى الهرم السياسي ولكنهم يحولون بوصلتهم واهتمامهم الى الاخر المجتمعى ،،فنقرأعلى ما يسمونه فساد المجتمع و دعاة التغريب وايتام الامريكان وبواقى البعث والناصرية ودعاة التطبيع وووووووو....كل حسب مصطلحاتهم وتصنيفاتهم للمجتمع واذا

انتصروا على الشريحة الأخرى في المجتمع وليس النظام.

يعتبرون ذلك نصراً عظيماً ومكسباً يفوق كل المكاسب

وفي المقابل ينتظر الآخرون فرصة ذهبية ينتصرون فيها في المستقبل على خصمهم

لكى يرفعوا رايات التغيير القادم الذي سيطيح بهامات التشدد والرقابة والحجر على الحريات. ولكنهم يفاجأون بعد فترة ان التغيير الحقيقي لا يحصل نتيجة لعبة شطرنج على ارضية " أهل الحكم " التى لا تأبه بالتغيير بل همه الأول والأخير ابعاد اصوات التغيير التي تطاله وتناقش دوره هو. وكلما انخرط المجتمع بأطيافه المتناحرة والمتصارعة في المعارك الجانبية كلما استتب الأمر للاستبداد الذي يبعد نفسه عن المعركة بل يصور نفسه حامياً لفئة ضد الأخرى.

وينطبق هذا المبدأ على حراك الأقليات حيث هي ايضاً تحولت من معركة اكتساب الحقوق من الدولة الى معارك جانبية مع المجتمع ذاته بل هي قد تكون مقتنعة ان النظام واستبداده افضل من استبداد المجتمع وخاصة الفئات التي تدينه بسبب عقائده وطقوسه.

عندما يصل الجميع الى هذه القناعة يكون الاستبداد قد انتصر فعلاً وحقق هدفه الأول وهو ديمومة مفهوم المركز كحام للأطراف المختلفة والمتناحرة وليس كمصدر لانتهاك الحقوق وتهميش المجتمع وابعاده عن صناعة القرار.

انخراط الجميع في حرب مع المجتمع هو هدف السلطة الاستبدادية التي قد تسمح ببعض الحريات وخاصة تلك التي تجعل هذه المعارك الجانبية تخرج الى العلن تماماً كما يحصل حالياً حيث ان الدولة لا تتدخل في سير المعركة العلنية، بل تصب هذه المعركة في مصلحتها لأنها عملية الهاء للشرائح الفكرية عن الشأن السياسي العام الذي يطالها ويطال سياساتها العامة. فالبيت المنقسم على ذاته المتصارع داخل جدرانه أفضل بكثير من جبهة صلبة متماسكة ومتفقة على الخطوط السياسية العريضة.

لقد تحول المجتمع الى مجتمع ضعيف انهكته الصراعات الداخلية والمعارك الصغيرة مع بعضه البعض لدرجة انه فقد قدرته على تصور مستقبله بعيداً عن استقطاب السلطة وهيمنتها. وبذلك يكون قد استقال من مسؤوليته تجاه الأجيال القادمة وسلم أمره للاستبداد الذي يأتي من فوق ويستغل حالة التشرذم التي تتفشى في طياته ويبقى يترقب من المركز ان يحميه من الآخر المعادي المتربص به. ويبقى هاجس الخوف من الآخر في المجتمع هاجسا يتأصل في النفوس لدرجة استبعاد أي مشروع جماعي يقوي الجبهة الداخلية على حساب السلطة الاستبدادية. ويصبح هذا الهاجس حالة نفسية مرضية فرضتها السلطة ذاتها لاستبعاد أي مشروع يجمع بين اطياف مختلفة ومتباينة في توجهاتها


لا تريد سلطة الاستبداد ان يتحول المجتمع بتياراته المختلفة الى جبهة موحدة صعبة التفكيك وطالما ظل هذا المجتمع منشغلاً بحروبه ومعاركه الصغيرة لطالما ظلت السلطة بعيدة عن الضغط الذي يضطرها ان تتجاوب معه ومع مطالبه.

وبذلك يكون الاستبداد قد انتصر على مجتمع انهكته المعارك الجانبية وشغلته القضايا الهامشية



Thursday, February 4, 2010

احمد 29 سنه
فاطمة25 سنه
زوجين من ايران
عايشين فى ثبات ونبات
وربنا يكرمهم بالصبيان والبنات
الحمد لله

Tuesday, February 2, 2010

وطن ،،و،، مواطن









يظن الكثيرون أن الوطن يرتبط بالحيز المكاني الذي ترسمه حدود الدولة، بينما الوطن في حقيقة الأمر له علاقة أكثر أهمية بالاوضاع العامة لمن يعيشون فوق أرض الدولة
بداهة سوف نجد أن المواطن في زمن الدولة القوية مثلا يكون أكثر انتماءً وفخراً ويتخلل إحساس المواطنة خلاياه النفسية والمعنوية حتي النخاع، وليس من الضروري- حتي لا تختلط المفاهيم- أن تكون الدولة القوية عظمي، أو حتي في مرتبة الدول الأقرب للعظمي، فسنغافورة وكوبا وتركيا وفنزويلا- علي سبيل المثال لا الحصر- ليست دولاً عظمي، ولا هي علي وشك أن تصبح هكذا، فما السبب في هذه الدول؟ التي تجعل من مواطنها فرداً يتملكه
إحساس المواطنة بجدارة واستحقاق

إنها الإرادة السياسية لحكومات هذه الدول، ولا تتوفر هذه الإرادة لأن أعضاء هذه الحكومات أو رؤساءها ليس منهم من يمتلك كاريزما طاغية "كما يروج البعض" كالتي كان يمتلكها هتلر، ولا هم أبطال خارقون في رياضات المنازلات العنيفة مثلا ، ولا هم مبدعون حالمون في الآداب والفنون مثلما كان الرئيس التشيكي الأسبق هافيل


عظمة حكومات الدول القوية لها أسبابها، حيث لا تلعب الملكات والنزوعات الفردية سوي مساحة هامشية في إدارة شئون الحكم وعلاقات الدولة الخارجية، فهذه الحكومات مقيدة لاستمرارها في الحكم بشروط موضوعية، لا يجرؤ أحد في السلطة علي العبث بها، هي إذن قواعد- تلزم الحاكم والمحكوم- لا يتسرب إلي خرسانتها زيف وأكاذيب، كتلك المواثيق والدساتير الشكلية التي لا تزيد قيمتها لدي الحكومات الفاسدة عندنا علي وزن الورق الذي كتبت عليه.

قبل التطرق لهذه القواعد من الأجدي قراءة أداء الدول الأربعة المذكورة سلفاً، وهي دول مختلفة في توجهاتها السياسية، وأبنيتها الاجتماعية، وإمكانياتها المادية حتى لا نسقط
فى التصنيف والميول الشخصية

نبدأها بسنغافورة التي تخلت ماليزيا عن الاتحاد معها في الستينيات من القرن الماضي، نظراً لأنها جزيرة جدباء، بلا مواد خام، أو كوادر بشرية مؤهلة للتنمية ولا حتي صناعات بدائية، وقتها خرج «لي كوان يو» أبو سنغافورة الحديثة يبكي في التليفزيون للوضع المأساوي لبلاده، كانت هذه آخر دموع تسيل في سنغافورة، انهمرت بعدها شلالات من العرق لشعب يكدح. في دولة كان القانون والنظام فيها سيفاً باتراً، بلا تفرقة بين المواطنين، مهما صغر شأن المواطن أو كبر، بلا تمييز بين من هو في السلطة ومن هو خارجها، وبين من يملك الثروة أو لا يملك، لهذا احتلت هذه الدولة الصغيرة مكانة متقدمة جداً في التقرير العالمي للتنمية والشفافية، وأصبح بالتالي دخل المواطن فيها من أعلي الدخول في العالم، وصار ازدهارها الاقتصادي مضرباً للأمثال، حيث يمتلك 85% من السكان البيت الذي يقطنون به. أما كوبا التي تعرضت للحصار الأمريكي المتعسف طوال نصف قرن فلم ترضخ للإرادة الأمريكية، سواء كان لها سند في وجود الاتحاد السوفيتي السابق أو عندما افتقدته مع انهيار منظومته، وصمدت منفردة بجدارة، ورغم "شمولية" النظام الحاكم فإنه لا يمكن إنكار إنجازاته مقارنة مثلاً بشمولية الأنظمة القبيحة عندنا وفي وسط آسيا وأفريقيا التي أورثت شعوبها الجهل والفقر والمرض. لقد ذهب المخرج والمثقف الأمريكي الشهير «مايكل مور» في فيلمه الأخير بمجموعة من رجال الإطفاء الأمريكيين الذين تخلت عنهم مظلة التأمين الصحي في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد إصابتهم بأمراض مزمنة نتيجة جهودهم في عمليات الإنقاذ

حيث قامت هافانا بتقديم مستوي علاج صحي متفوق للغاية أنقذهم، كانت مفارقة لافتة أظهرت حقيقة مشهوداً بها من منظمة الصحة العالمية، وهي أن كوبا تصنف كواحد من أرقي بلدان العالم في نظام التأمين الصحي المجاني لمواطنيها، يبقي أن نعرف نظام التعليم في هذه الدولة الصغيرة فائق الجودة، ومجاني أيضاً لجميع المواطنين وأنها تخلصت من عار الأمية، وإذا كانت الرياضة هي أحد المعايير التي يقاس بها تقدم الدول فإن كوبا تحتل دائماً ترتيباً رفيعاً في الجداول النهائية للدورات الأوليمبية، في مزاحمة واضحة للدول الكبري التي تمتلك إمكانات هائلة في مجال الرياضة

تركيا التي مرت بمسلسل فساد سياسي نجحت القوي ذات التوجه الإسلامي فيها في الوصول إلي سدة الحكم، عن طريق صندوق الانتخابات الذي لا يجرؤ أحد علي العبث بمحتوياته، حتي لو كانت المؤسسة العسكرية ذات السطوة الطاغية، الأهم أن الإسلاميين في تركيا هم سياسيون يعملون في الإطار السياسي والقانوني للدولة، احتراماً للدولة المدنية وقبولاً بقواعد الديمقراطية التي تعني القبول بتداول السلطة وأنه لا حكم مطلقاً باسم الحق الإلهي، في ظل الدعاوي الدينية التي تسللت للفكر الإسلامي المعاصر، ونجح هؤلاء الإسلاميون الديمقراطيون في مواجهة الفساد، والقفز باقتصاد الدولة قفزات هائلة، أعادت لتركيا اعتبارها ومكانتها كقوة إقليمية، ومع استعادة الهيبة رفضت الحكومة التركية استخدام أجوائها ضد العراق في حرب الخليج الثانية، وأخيراً الموقف الصارم ضد إسرائيل المدللة من الغرب حيث أذعنت تل أبيب صاغرة بإرسال اعتذار رسمي مكتوب إلي أنقرة استجابة للمطلب التركي، بعد تعرض سفيرها للإهانة من الخارجية الإسرائيلية.ولا يفوتنا موقفها من العدوان على غزة والعرب يتفرجون

في فنزويلا أفرزت الديمقراطية حكماً ذا توجه اشتراكي، لم يعجب الإدارة الأمريكية هذا التوجه الجديد الذي يضر بمصالحها، فتواطأت مع مجموعة العسكر والعملاء للإطاحة بـ«هوجو تشافيز» وفي أقل من 48 ساعة أعادته الجماهير الغاضبة التي احتشدت احتشاداً رهيباً إلي مقعد الرئاسة، ونجحت الجماهير في هذا لسببين: الأول أنها هي التي أتت به ولا يحق لأحد غيرها خلعه، والثاني أن الجموع الغفيرة من الجوعي الذين كانوا لا يجدون كسرة خبز في كثير من أيام السنة أصبحت تصل إليهم وجبات ساخنة يومياً، حتي في أطراف الدولة النائية، والفضل في هذا لحكومة تشافيز التي انتخبوها انتخابا حرا باعتراف الغرب كله، هذا الرجل الذي استمد قوته من شعبه وقف ليعلن في خطاب مذاع علي الهواء أن علي السفير الأمريكي أن يغادر فنزويلا خلال 72 ساعة، دون خوف من أقوي دولة في العالم. ما كل هذا التمكن والكبرياء في هذه الدول الصغيرة القوية؟ وما سر النجاح العظيم لحكوماتها في تحقيق النهضة؟ إنها قواعد الحكم الرشيد الذي يستمد قوته من إرادة الناس والسهر علي مصالحهم، ويمكن تلخيص هذه القواعد في الآتي
1-
حترام إرادة الناخبين ولا عبث مطلقاً بصناديق الاقتراع
2-
تأمين الاحتياجات الأساسية للناس
3-
الاستحقاق في العمل السياسي أو الحكومي للجدارة فقط
4-
احترام سيادة القانون
5-
الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي وتدريب الكوادر

هذه القيم الخمس هي قواعد الإرادة السياسية القادرة علي إنجاز التقدم وتحقيق النهضة، فهي التي تشعل روح المواطنة لدي المواطنين دون الحاجة إلي شعارات جوفاء وملصقات وإعلانات متكررة تدعو إلي حب الوطن الذي يئن من إهدار القيم التي يجب أن تسود