
الفرعنة
خطيئة وجريمة
يعحب الناس لتكرار ذكر فرعون فى القرآن فقد ذكر 74 مرة، والغريب أن لفظ «فرعون» لقب سياسى مثل ألقاب السلطان، الملك، الرئيس، الإمبراطور... إلخ. لكن جميع مرات وروده فى القرآن ذكر لشخص واحد مارس التسلط والحكم وبلغ من مساوئه وإفساده واستبداده أن يرسل الله له رسولا وينزل له كتابا يتصدى للفرعنة وما يتولد عنها من خطايا وجرائم كفيلة بزلزلة أى عمران وتحطيم أقوى حصن فضلا عن تقطيع جميع علاقات الولاء والانتماء والحب مما يؤذن بزوال الأمم.
وإذا كانت إرادة الله قد بعثت نبيا رسولا هو موسى (صلى الله عليه وسلم) ومعه نبى آخر هو هارون ليضعا الأمور فى نصابها أو يريحا البلاد والعباد من تلك الفرعنة، فكيف يتعامل الناس مع مرض الفرعنة بعد ختم النبوات والرسالات؟ لابد وأن يمتلك الناس آليتين مهمتين هما محصلة الرسالات السماوية، بالإضافة إلى النضج العقلى البشرى المتراكم عبر تاريخ الإنسانية.
أولى هاتين الآليتين هى تنظيم المجتمعات، وتقنين العلاقات (الدستور) بما لا يسمح «لميكروب الفرعنة» من الظهور والبقاء والانتشار، والآلية الأخرى هى آلية مقاومة كارثة ووباء الفرعنة إذا ظهر ثم مدافعته وإكراهه على الانسحاب (الشفافية والمحاسبة) حتى تأتيه إرادة إلهية مغرقة، تغرق فرعون وجنوده دون غيرهما.
ومن أعراض مرض الفرعنة هذا الدجل الرخيص والاستهزاء بالناس، زاعما أنه لا يحب الحكم ولا يبغيه، وأنه يتحمل تكليفا بخدمة البلاد والعباد حتى لا تغرق السفينة أو تضيع البلاد، وكل الناس يدركون هذا الدجل، ويرونه كذبا مفضوحا على الله قبل الناس... إذ إن رحمة الله أوسع من أن تخلى الشعوب والأمم من الكفايات، وتربط مصير الملايين بإرادة فرد أو أفراد، ثم يحاسبهم ربهم يوم القيامة لما لم يلتزموا الدين فيأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر. إن رحمة الله قد أثبتت الدرس فى القرآن الكريم مبينا الخطيئة وما حل بالشعب جزاء السلبية، سواء انضموا إلى جند الفرعنة أم ابتعدوا ولم يؤدوا دورهم فى المناصحة، والمجادلة، والرفض، والمقاومة ثم المدافعة والتصدى ثم المفارقة. (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) (المائدة).
فالصمت عن الخطأ يحول الخطأ إلى خطيئة تستوجب القدر الإلهى بلعنة تكتسح أو تبيد،هكذا يتصور الفرعون أن الملايين معه وهم أكثر عددا من المصلحين وهو ـ مع هؤلاء الصامتين ـ أكثر من عدد المصلحين، أرأيت أن الصمت والسلبية تزيد فى كفة الفرعون، وتنقص بل تعجز كفة الإصلاح.
تستطيع أن تسمع جنود فرعون وقد علمهم كيف يقلبون الحقائق ويكذبون على أنفسهم فينطلق إعلامهم المأجور، وهؤلاء يعلمون أنهم يعينون فرعون على الشر لمصلحته هو ومنفعته هو، فيطلبون نصيبهم مما يحوذه فرعون من خيرات البلاد (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) (الشعراء).
وهكذا يلخص القرآن استهزاء فرعون بشعبه فيقول (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْما فَاسِقِينَ) (43/54) (الزخرف)، نعم استخف فرعون بالملأ من شيعته فأطعمهم وأعطاهم ما ليس لهم لعلمه أنهم منافقون، وكذلك استخف ببقية الشعب إذ أطلق عليه هؤلاء الدجالون يكذبون ويزينون. «وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ» (21) (يوسف).
جمال قطب